: آخر تحديث

قصتي مع المرآة وتاريخها

4
5
3

بعد الصعوبات التي أصبحت أواجهها في الكتابة، مع تزايد منع مقالاتي من النشر، لأسباب يراها المحرر منطقيةً وقانونيةً، ولرغبتنا في تجنُّب الإضرار بأية جهة كانت، فإننا سننتقل للكتابة عن الطريف، لتجنب الكتابة عن السخيف، من المواضيع، أو نتوقف عن الكتابة، حينها سنتفرغ، في تقاعدنا الجميل، لنَقْرِ الكوسة وتقشير البصل.

* * *

المرآة أكثر من مجرد لوح زجاج، فهي مهمة، ولها دور في حياتنا كديكور، كما أنها صديقة المرأة، في شبابها، وخلاف ذلك في شيخوختها. كما لها استخدامات أمنية وعلمية، وتستخدم على مفارق الطرق، ومع هذا لا أحد، تقريباً، بإمكانه الادعاء بأنه صاحب الفضل، الأول والأخير في اختراعها؛ فقد تطورت على مراحل طويلة، بدءاً من انعكاس وجه الإنسان على الماء، ثم تالياً استخدامه الأحجار والمعادن المصقولة، كمرآة، وصولاً إلى المرآة الزجاجية الحديثة.

من أقدم المرايا المصنوعة المعروفة تلك التي تم العُثور عليها في الأناضول، في تركيا الحالية، وقُدَّر عمرها بنحو 8000 سنة، وكانت مصنوعة من حجر السبج المصقول، وهو زجاج بركاني طبيعي داكن اللون. وعلى الرغم من عيوبها، فإنها كانت كافية لرؤية الوجه أو الشعر.

بعدها بدأ الإنسان بصنع المرايا من المعادن، وكانت البداية في بلاد الرافدين ومصر القديمة، حيث استُخدم النحاس المصقول منذ الألفيتين الرابعة والثالثة قبل الميلاد تقريباً، كما استُخدم البرونز في مصر والصين والهند وغيرها. كما استُخدمت أيضاً معادن مثل الفضة، لكنها كانت طريقة غالية الثمن. أما أولى المرايا الزجاجية فقد ظهرت محاولات لصناعتها من الزجاج في العصور الرومانية، لكنها كانت صغيرة أو محدبة أو ضعيفة الانعكاس. وكانت تُصنع بوضع الزجاج فوق معدن لامع، ولم تكن مشابهة تماماً للمرآة المنزلية الحديثة.

وفي البندقية، ولا سيما في جزيرة مورانو، حيث تصنع اليوم أثمن القطع الزجاجية التي يبلغ ثمن البعض منها عشرات آلاف الدنانير، فقد طوّر الحرفيون في العصور الوسطى تقنيات أفضل لصناعة المرايا الزجاجية، باستخدام طبقة عاكسة من ملغمة القصدير والزئبق، ووضعها خلف الزجاج. وكانت هذه المرايا باهظة الثمن، حتى إن بعض الملوك منعوا تصدير أسرار صناعتها.

يرى البعض أن اختراع المرآة الزجاجية الحديثة يعود إلى الكيميائي الألماني يوستوس فون ليبيغ Justus von Liebig عام 1835، عندما طوّر طريقة لترسيب طبقة رقيقة من الفضة على الجزء الخلفي من لوح زجاجي، فنتجت مرآة أوضح وأكثر لمعاناً من المرايا القديمة. وما زالت الفكرة الأساسية مستخدمة إلى اليوم، وإن كانت المصانع الحديثة تستعمل غالباً الألمنيوم أو الفضة مع طبقات حماية.

أما علاقتي بالمرآة فقد بدأت وأنا في الـ12 من العمر، تقريباً، عندما كسر عبيد، الصبي الذي كان يعمل لدينا، مرآة غرفة نوم الوالدة، ولاحظت كم حزنت عليها، فقررت مفاجأتها، بصناعة أخرى أكبر منها، وقمت، ومن مصروفي جيبي، بشراء لوح زجاج، وعلبة دهان أبيض صغيرة وفرشاة، وقمت بتغطية الجزء الخلفي من لوح الزجاج بالدهان الأبيض، وتركته لينشف تماماً، قبل أن أديره لأرى وجهي منعكساً عليه. بعد أن تيقنت من أن الدهان قد نشف، أدرت الوجه الآخر من اللوح فلم أرَ شيئاً غير ضربات الفرشاة. فشل مشروع صناعة المرايا، فعدت لنقر الكوسة، وتقشير البصل، مع عبيد!


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد