اسمي « قايد محسن سالم » لم أبلغ السادسة عشرة، وأكتب إليكم من الجبهة، عبر جهاز نتشاركه أنا وبعض زملائي الأطفال المجنّدين. ننتظر إشارة ضعيفة تصلنا بالعالم، وأتوقّف عن الكتابة كلما اقترب إطلاق النار. أكتب الآن، قبل أن أكبر ويقولوا إنني اخترت هذا الطريق بنفسي.
إلى من وضع السلاح في يدي
حين يموت ولد في عمري داخل لعبة «كول أوف ديوتي»، يضغط زرًّا ويبدأ من جديد. أمّا أنا، فإذا متُّ هنا، أين أضغط لأعود إلى أمّي؟
أتنقّل بين الجبال والوديان، وأحمل بندقية من أجل قضية لقّنتني كلماتها. وحين سألتك عنها، قلت إنني أصغر من أن أفهم. كيف أكون صغيرًا على فهمها، وكبيرًا بما يكفي لأموت من أجلها؟
أعطيتني وأعطيت أطفالًا مثلي راتبًا شهريًّا، وبندقية وذخيرة. قلت لي: «قدك رجال ، ولن تحتاج إلى مصروف أبيك». فلماذا أحتاج إذنك لأعود إليه؟
علّقتم صورة زميلي في الشارع، وكتبتم تحتها: «الشهيد البطل». أعرف هذا الوجه؛ كان يجلس بجانبي في الفصل. وقفت أتأمّل صورته، وتمنّيت لحظة أن تفتخروا بي مثله. ثم خفت من أمنيتي: هل يجب أن أموت حتى تمدحوني؟
تدفعني أمام رجل من بلادي؛ لعلّه يعرف أبي، أو له ولد في عمري. ماذا تريد منه حين يراني؟ أن يقتل طفلًا، أم يتردّد فأقتله؟ تعلّمنا أن الرجل يحمي الصغير؛ فلماذا أرسلتني لتقاتله بي؟
كان هذا الإصبع يستطيع أن يلمس شاشة أتعلّم منها، أو يرتفع في الفصل ليسأل. الآن لا يعرف إلا الضغط على الزناد. أليس ما أنفقتَه على تسليحي وتدريبي وذخيرتي كفيلًا بجهاز ذكي أتعلّم منه؟ كلّما نفد الرصاص، أحضرتم غيره؛ لماذا لا يصلني كتاب بهذه السهولة؟
وفّرتم مصفّحات تنقلكم؛ فلماذا لا توفّرون بقيمتها حافلات تعيدنا إلى المدارس؟
تقول إنك تبني مستقبلنا؛ رأيت رفيقًا يعود بكمّ فارغ مكان يده، وآخر يفزع من كل صوت، وثالثًا يبحث عن عمل فيُسأل عن شهادة لا يملكها. هؤلاء عادوا أحياء؛ مَن يساعدهم على استعادة حياتهم؟
أنا أشتي العودة إلى أهلي ومدرستي. لا تمنعني، ولا تهدّد أسرتي. توقّف عن تجنيد الأطفال، ولا تأخذ طفلًا آخر ليقف مكاني.
إلى أبي
أتذكّر يدي الصغيرة تمسك بإصبعك يوم أخذتني إلى المدرسة أول مرة. قلت للمعلّم: «انتبه عليه». دخلتُ مطمئنًّا؛ كنت أعرف أنك ستعود لتأخذني.
يوم أخذوني إلى الجبهة، التفتُّ إليك. انتظرت أن تمسك بيدي وتقول: «هذا ابني، مكانه المدرسة». ربما خفت منهم؛ كنت أخاف أيضًا، وأنتظر أن تحميني.
كنت تسألني بعد المدرسة: «إيش تعلّمت اليوم؟». الآن أعرف كيف أفكّك بندقيتي وأعيد تركيبها. أخاف أن تمرّ السنوات، فلا أجد غير هذا لأخبرك به.
أتذكّر صوتك وأنت تترنّم، وأنا بجانبك بين المدرّجات:
ارجع لحولك كم دعاك تسقّيه
ورد الربيع من له سواك يجنيه
هنا أتوقّف عند «ارجع». أريد أن أسمعك تكملها، وأنا معك نسقي الزرع.
حين قلت لك إنني أريد أن أصبح مثلك، كنت أقصد أن أكبر يا أبي. أن أتعلّم وأعمل، وأعود إليك آخر النهار.
قف معي، وأمسك بيدي من جديد؛ لم أنتهِ من المدرسة.
إلى أمّي
كنتِ لا تنامين حتى أعود من اللعب قرب البيت. الآن يحلّ الليل، ولا تعرفين أين أنام. أتخيّلك تسمعين خطوات قرب الباب، فتتوقّفين عمّا تفعلين، ثم تكتشفين أنها ليست خطواتي.
قرأ لنا المعلّم يومًا قول البردوني:
هدهدت كفّاك رأسي مثلما
هدهد الفجر رياحين الروابي
فتذكّرت أصابعك تمسح دموعي، وحنانك يمسح همّي حين تضمّينني إليك. هنا أمسح وجهي بكُمّي، وأتمنّى أن أضع رأسي في حجرك. اعذريني يا أمّي؛ عادني طفلًا لم يشبع من أمّه.
إذا نادوك يومًا «أمّ الشهيد»، فلا تدعي اللقب يُسكت سؤالك: لماذا أخذتم ابني؟ لا تسمحي لهم أن يقولوا إنني تمنّيت الموت؛ كنت أتمنّى العودة إليك.
وإن عدتُ أفزع من الأصوات، فلا تستغربي إن ناديتك في الليل. اجلسي بجانبي حتى أطمئنّ أنني في البيت.
ارفعي يديك إلى الله، واسأليه أن يحمينا ويعيدني إليك بأمان. واتركي حقيبتي خلف الباب؛ أريد أن توقظيني ليأخذني أبي إلى المدرسة.
إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي
عام ٢٠٢٢، حين وقّعتم مع من جنّدوني، كنت دون الثانية عشرة، والبندقية في يدي. منحتموهم ستة أشهر لحصر الأطفال في صفوفهم، والتزموا بتسهيل إطلاق سراحنا. أنا الآن أقترب من السادسة عشرة. تغيّر مقاس ثيابي، ولم يتغيّر مكاني.
أصابعهم وقّعت، وأصابعكم وثّقت. لماذا بقي إصبعي أنا على الزناد؟
وإن ظننتم أنني أبالغ، فاستمعوا إلى الأطفال الذين يروون أمام الكاميرات في «يوتيوب» كيف وصلوا إلى الجبهة. تحقّقوا من شهاداتهم، واحموهم. تستطيعون إيقاف المقطع حين يصعب عليكم مشاهدته؛ نحن لا نستطيع إيقاف ما يحدث لنا.
أعرف أنكم لا تملكون جميعًا أن تأتوا وتأخذونا من هنا. لكن مَن يواصل تجنيدنا يجب ألّا يطمئنّ إلى أن كلّ ما ينتظره تقرير آخر. انتهت مهلة حصر الأطفال؛ هل أحصيتم أسماءنا؟ وماذا فعلتم لإخراج مَن بقي منّا؟
تعهّدوا ألّا يجنّدوا من هم دون الثامنة عشرة. هل أبقى هنا حتى أبلغها، ثم أصبح أكبر من الأطفال الذين تطالبون بإخراجهم؟ سأكون في سنّ الجامعة، ولم أكمل المدرسة. تستطيعون تأجيل اجتماع؛ وأنا لا أستطيع تأجيل عمري.
أمام كل صورة طفل على جدار مدرسة، وتحتها «الشهيد البطل»، أريد صورة مَن جنّده على جدار المحكمة الجنائية الدولية، وتحتها «مطلوب للعدالة». لماذا يعرف الجميع وجه الطفل الذي مات، ولا يعرفون وجه مَن أرسله إلى الموت؟
اضغطوا على من جنّدونا لإخراجنا بأمان، ولا تجعلوا حاجتكم إلى التفاوض معهم سببًا لتأجيل محاسبتهم. أخبرونا إلى مَن نلجأ، ومَن سيحمي أهلنا حين نطلب المغادرة. ساعدونا على العلاج وتعويض ما فاتنا من الدراسة، وتابعونا حتى لا يأخذونا من جديد. لا تكتفوا بعدّ الذين خرجوا؛ تحقّقوا ممّن يُؤخذون مكانهم.
أخبرونا مَن سيفعل ذلك، ومتى يبدأ. لا أريد أن أكتب إليكم العام القادم الرسالة نفسها، ولا أغيّر فيها إلا عمري.
إلى من يهمّه أمري
يا من تقرأ رسالتي، هل تسمح لي أن أناديك أبي؟ وإن كنتِ أمًّا، أن أناديك أمّي؟ لا أريد أن آخذ مكان ابنك، حفظه الله ورعاه. أريد أن يكون لي غدٌ أخطّط له، كما يخطّط هو لغده.
يا أبي، لا تيأس منّا لأن كبارًا خذلوك. لم نختر خصوماتهم؛ أعطونا السلاح لنحملها عنهم. نحن جيل تستطيع أن تراهن عليه. ساعدنا على العودة، وافتح لنا بابًا للتعلّم؛ ابسر إلى يدي؛ تستطيع أن تتعلّم إصلاح جهاز، كما تعلّمت تفكيك الآلي.
ويا أمّي، أريد أن ألعب مع ابنك عبر الإنترنت، أو نتعلّم معًا في مدرسة افتراضية. حين يحتاج إلى جهاز جديد، احفظي جهازه القديم، واطلبي منه أن يعتني به. قد يكون ما انتهى من استخدامه بداية مستقبلي.
اكتبي عليه اسمي: « قايد محسن سالم ». لعلّ يومًا يأتي ترسلينه إليّ، فأعرف أنكم تذكّرتموني بعد أن أغلقتم الرسالة. سأكتب لك منه: «وصل يا أمّي»، ثم أسألك كيف ألحق بابنك في الدروس ولعلّه يساعدني على فهم ما فاتني.
أوصلا صرختي، وساعداني على العودة بأمان. لا تتخلّيا عنّي وعن أطفال يرون فيكما أملًا بعد الله. واذكرونا في صلاتكما ودعائكما مع أبنائكما؛ ادعوا لنا أن نعود إلى أمّهاتنا اللواتي ينتظرننا.
إلى كل طفل وشاب جُنّد معي
قبل أن يعطوك الآلي (البندقية)، ماذا كنت تريد أن تصبح؟ لا تجب بما لقّنوك. تذكّر جوابك يوم سألك المعلّم، أو يوم رأيت صاحب مهنة وتمنّيت أن تكون مثله.
قالوا لنا إننا أصبحنا رجالًا. لكنني ما زلت أشتاق إلى أمّي، وأخاف في الليل، وأحتاج إلى مَن يشرح لي درسًا فاتني. لن أخجل من ذلك. الشوق إلى البيت ليس خيانة، وطلب الحياة ليس جبنًا.
أسمع عن ذكاء اصطناعي يتعلّم به طلاب في بلدان كثيرة. أريد أن أجلس معك أمام جهاز، ونسأله عمّا لم نفهمه، ثم نحاول ونخطئ ونجرّب. هنا نخاف أن يسألونا لماذا أخطأنا؛ هناك نستطيع أن نسأل كيف نصحّح خطأنا.
بعد عشرين سنة، قد أحتاج إليك طبيبًا يعالج أمّي، وقد تحتاج إليّ مهندسًا يبني لك بيتًا. وقد ننتظر خروج أبنائنا من المدرسة، ونضحك ونحن نختلف في أيّ أبنائنا يشبه أباه أكثر. أريد أن نعيش حتى نعرف.
أمّك تنتظرك الآن، وأبوك يحتاج أن تبقى حيًّا حتى يرى ما ستصبح عليه. وبلادنا تحتاج إلينا نصلح آبارها، ونزرع مدرّجاتها، ونبني مدارسها. لم يعطونا فرصة لنعرف ما نستطيع فعله بأيدينا حين تخلو من السلاح.
لنطلب معًا طريقًا آمنًا إلى أهلنا والتعليم. وإن سبق أحدنا الآخر إلى الفصل، فليترك له مقعدًا بجانبه، وليساعده على تعويض ما فاته. لا أريد أن أعود وحدي، وأتركك تنتظر هنا.
أنا قايد محسن . سأرفع إصبعي عن الزناد. أريده أن يرتفع في الفصل ليسأل، وأن يلمس شاشة أتعلّم منها كيف أبني شيئًا يبقى.
وإلى مَن جنّدونا، أقول:
صرختكم: «الموت لـ… واللعنة على… والنصر لـ...…. »
أمّا صرختي: «أعيدوني إلى مدرستي… وأعيدوا لي طفولتي».
ابو عبدالعزيز
تنويه: « قايد محسن سالم » شخصية متخيّلة؛ تستند الرسالة إلى ممارسات موثّقة، وصيغت مشاهدها وحواراتها للتعبير عن معاناة الأطفال الذين حرمهم التجنيد طفولتهم وتعليمهم.
- إعلان اليونيسف عن خطة العمل الموقّعة في ١٨ أبريل ٢٠٢٢ لمنع الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال.


