كيف لميليشيا ترفع شعار "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، النصر للإسلام" أن تستهدف المسجد النبوي الشريف؟ أي معنى يبقى لادعاء نصرة الإسلام حين يصبح أمن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وخدماتها هدفًا لطائراتها المسيّرة؟ يكشف هذا الاعتداء التناقض الكامن في المشروع الحوثي: استخدام الدين لحشد الأتباع ومنح السلاح غطاءً أخلاقيًا، ثم توجيه هذا السلاح إلى ما يستوجب الدين صون حرمته.
تكمن خطورة استهداف محطة "طيبة" للكهرباء في المدينة المنورة في الوظيفة التي تؤديها والمكان الذي تخدمه. المحطة تمد المسجد النبوي الشريف بالكهرباء، والاعتداء عليها يمس الخدمات التي تهيئ للمصلين والزائرين أداء عباداتهم في أمن وطمأنينة. وبالرغم من اقتصار الضرر على خروج أحد المحولات من الخدمة واستمرار الشبكة الكهربائية، تظل دلالة اختيار الهدف قائمة، فالضرر المحدود لا يخفف مسؤولية المعتدي، ولا يمحو استهانته بأمن المدينة ومكانتها في وجدان المسلمين.
ولفهم هذا الاختيار، يكفي تأمل خريطة الاعتداءات الحوثية على المملكة: محاولات استهداف مكة المكرمة التي أعلن عنها التحالف، والهجمات على خميس مشيط ونجران، واستهداف المطارات والمنشآت المدنية والنفطية. تجمع هذه الأهداف محاولة تحويل أمن المجتمع ومرافق حياته إلى أوراق ضغط. واستهداف منشأة تخدم المسجد النبوي يكشف المدى الذي يمكن أن يبلغه هذا الابتزاز، إذ تسقط حرمة المكان من حسابات الميليشيا متى توهمت أن الاعتداء عليه يمنحها نفوذًا.
هذا هو منطق العصابة حين تنقل أدواتها إلى المجال الإقليمي: تصنع الخطر، ثم تحاول انتزاع المكاسب مقابل وقفه. يصبح أمن المدنيين رهينة، وتتحول مرافق الحياة والإنتاج إلى وسائل للمساومة. وما يعجز الحوثي عن اكتسابه عبر مؤسسات الدولة ورضا المجتمع يسعى إلى فرضه بالتهديد، مستندًا إلى ترسانة تمنحه قدرة على الإيذاء، دون أن تمنحه حقًا في تقرير مصائر الآخرين.
وتقود قراءة هذه الترسانة إلى الدور الذي يؤديه الحرس الثوري الإيراني، عبر شبكات التمويل والتسليح المرتبطة به، في تمكين الميليشيا الحوثية. التمويل وإمدادات السلاح والتدريب والإرشاد العسكري، والمساهمة في توجيه العمليات ضد الملاحة في البحر الأحمر والإشراف عليها، تمنح الحوثي قدرات تتجاوز موارده الذاتية. وبذلك يرتبط استخدام الأرض اليمنية بحسابات النفوذ الإيراني، ويتسع خطر الميليشيا من تهديد الداخل اليمني إلى تهديد الأمن الإقليمي.
استراتيجيًا، يتيح هذا الارتباط لطهران توظيف الجبهة الحوثية لإشعال بؤر التوتر، وتشتيت جهود خصومها بين جبهات متعددة، والضغط على السعودية، وتهديد ممرات الطاقة والتجارة الدولية. ويكتسب موقع اليمن قرب باب المندب والبحر الأحمر أهمية خاصة في هذه الحسابات، إذ تستطيع الميليشيا تعريض مصالح واسعة للخطر بكلفة يتحمل الجانب الأكبر منها اليمنيون وجيرانهم والملاحة الدولية. يتكامل هنا دور الداعم الذي يبني القدرة ويسهم في توجيهها، ودور المنفذ الذي يستخدمها في الاعتداء، وتتسع المسؤولية لتشمل الطرفين.
لكن هذه الحسابات تصطدم بكلفة يتجاهلها المشروع الحوثي. حين يمس الاعتداء أمن المقدسات وخدماتها، تتجاوز تبعاته الخسائر المادية إلى علاقة المشروع بالمسلمين الذين يخاطبهم باسم الدين. وهنا يقع الحوثي في شر أعماله، فمحاولات استهداف مكة المكرمة، قبلة المسلمين، والاعتداء على منشأة تخدم المسجد النبوي في مدينة الرسول، تستفز مشاعر نحو ملياري مسلم، وتضع مشروعه في مواجهة الوجدان الإسلامي الذي يحاول استمالته بشعاراته.
إنه غباء استراتيجي يوسّع دائرة إدانته بيديه، ويورّطه في مسار من الانتحار الوجودي، إذ يهدم الغطاء الديني الذي يستند إليه في تبرير سلاحه وحشد أتباعه. وكلما حاول انتزاع النفوذ بتهديد المقدسات، كشف أن خدمة مشروعه المسلح تتقدم في حساباته على حرمة المكان وأمن الإنسان. يصبح السؤال الذي يلاحقه نابعًا من شعاره نفسه: أي نصرة للإسلام تتحقق بتهديد أمن مدينة الرسول؟
الميليشيات تموت مرتين: مرة حين تفقد قدرتها في الميدان، وأخرى حين تُسقط بأفعالها الشعار الذي قامت عليه. وقد يفصل زمن طويل بين السقوطين، وتستمر الأسلحة في العمل بعد انكشاف الادعاء. لكن القدرة على التخريب لا تعيد صدقية الخطاب، وكثافة الشعارات لا تستر طبيعة الأهداف. استهداف منشأة تخدم المسجد النبوي يضع الحوثي أمام هذا السقوط، إذ يقدم بفعله الدليل على تناقض مشروعه مع القيم التي يدّعي الدفاع عنها.
ومن هذا التناقض تنشأ كلفة سياسية واستراتيجية. قد يستجلب الهجوم اهتمامًا مؤقتًا، وقد يفرض أعباء دفاعية واقتصادية، لكنه يقوّض الثقة بتعهدات الميليشيا، ويزيد صعوبة الرهان على احتواء خطرها بتفاهمات هشة. حين تستخدم المنشآت المدنية والخدمات المرتبطة بالمقدسات أدوات للضغط، فإنها تقدم سببًا إضافيًا لتقييد قدراتها، ومحاسبة داعميها، ورفض تحويل اعتداءاتها إلى مكاسب تفاوضية.
يتضح هنا معنى الانتحار الوجودي بوصفه مسارًا يستنزف مبررات المشروع ومصادر قبوله، دون أن يحسم موعد نهايته العسكرية. يحتاج الحوثي إلى التصعيد لفرض حضوره، ثم يجعل هذا التصعيد حضوره أكثر ارتباطًا بالخطر والابتزاز. وتغدو الترسانة التي يتباهى بها عبئًا على أي محاولة لتقديمه طرفًا مسؤولًا يمكن الوثوق بالتزاماته، لأن سجل استخدامها يكشف أن أمن الآخرين يظل قابلًا للاستهداف متى اقتضت حساباته ذلك.
أمام هذا النهج، تستند قوة السعودية إلى قدرتها على حماية المجتمع والمقدسات، وحفظ انتظام الحياة، وإدارة المواجهة وفق مصالح الدولة. واستمرار الخدمات بالرغم من الاعتداء يعكس قدرة على احتواء أثره، فيما تظل الحماية الفعالة والردع مسؤولية متواصلة لمنع تكراره ورفع كلفته. قوة الدولة تتجلى في صون أمن الناس، وفي قرار يربط الرد بأهداف واضحة، ويحرم المعتدي من التحكم في مسار المواجهة.
وتمنح مكانة المملكة هذه المسؤولية بُعدًا يتجاوز حدودها. أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة يتصل بطمأنينة المسلمين الذين يقصدونهما، واستقرار السعودية يتصل بأمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية. لذلك فإن ترك أدوات التهديد الحوثي تتنامى يعرّض مصالح دولية واسعة للخطر، ويشجع الميليشيات على اعتبار الابتزاز المسلح طريقًا لاكتساب النفوذ. مواجهة هذا النهج تبدأ بإدانة واضحة، وتكتسب أثرها حين تشمل تطويق مصادر التمويل والتسليح والتوجيه التي تتيح استمراره.
ستبقى حماية الحرمين الشريفين والمدن السعودية في صميم مسؤولية الدولة وعقيدتها الأمنية. أما الحوثي، فقد كشف باستهداف الحرم المكي والمسجد النبوي حقيقة مشروعه: عصابة تستثمر في الخطاب الديني، ثم توجه سلاحها إلى ما يستوجب الدين حمايته. وبين ادعاء "النصر للإسلام" وتهديد أمن مقدساته، وقع الحوثي في شر أعماله، وكتب بيده شهادة الانتحار وسقوط الشعار.


