: آخر تحديث

فلسفة الشهرة والأثر

4
4
4

ليس كل مشهور مبدعًا، وليس كل مبدع مشهورًا. وهذه واحدة من أهم القضايا التي تواجه أي محاولة لكتابة تاريخ النخب وصنّاع الوعي. فالشهرة ظاهرة مرتبطة بالانتشار، أما الأثر فهو مرتبط بما يبقى بعد انتهاء لحظة الحضور.

قد يكون الإنسان معروفًا في زمنه، تتناقل الصحف اسمه، وتزدحم حوله المنابر والجمهور، ثم لا يبقى من تجربته بعد سنوات إلا ذكر عابر. وفي المقابل قد يعيش مبدع بعيدًا عن الأضواء، لكن كتابه أو فكرته أو اكتشافه أو عمله الفني يواصل تأثيره بعد رحيله.

ولهذا لا يمكن أن تكون الشهرة وحدها معيارًا لاختيار صُنّاع الوعي. فالشهرة قد تأتي من موقع وظيفي، أو ظرف سياسي، أو حضور إعلامي، أو نجاح جماهيري مؤقت، أو حتى من قدرة الشخص على الظهور المستمر. أما الإبداع الحقيقي فيحتاج إلى شيء آخر: إضافة جديدة، وفكرة مؤثرة، وعمل قابل للبقاء، وقدرة على ترك أثر يتجاوز صاحبه وزمنه.

والفرق بين الشعبية والتأثير أكثر وضوحًا. فالشعبية تعني أن عددًا كبيرًا من الناس يعرفون الشخص أو يتابعونه، بينما يعني التأثير أن ما قدمه ذلك الشخص غيّر شيئًا في تفكير الناس أو معرفتهم أو ذائقتهم أو سلوكهم أو طريقة عمل مؤسسة أو حقل من حقول المعرفة.

قد يحظى فنان أو مذيع أو شخصية عامة بشعبية واسعة في مرحلة معينة، بينما يكون تأثير عالم أو باحث أو مفكر أقل انتشارًا بين الجمهور، لكنه أعمق وأطول زمنًا.

وكذلك ينبغي التمييز بين الحضور الإعلامي والأثر الثقافي. فوسائل الإعلام تستطيع أن تمنح الإنسان حضورًا واسعًا خلال فترة قصيرة، لكن الإعلام لا يستطيع وحده أن يصنع قيمة تاريخية دائمة. قد يختفي البرنامج وينتهي المقال وتتغير القناة والمنصة، بينما يبقى الكتاب، أو البحث العلمي، أو العمل الفني، أو المدرسة الفكرية، أو المؤسسة التي أسسها صاحبها. ولذلك فإن كثرة الظهور لا تعني بالضرورة عمق الأثر.

لذلك، لا ينبغي أن يكون توثيق النخب سباقًا إلى جمع الأسماء، بل محاولةً لفهم ما أضافه كل اسم إلى مجاله وإلى حياة الناس. فالإنصاف لا يعني مساواة الجميع، ولا إقصاء من لم تسعفه الشهرة، بل يعني أن نزن الأعمال بمعايير واضحة، ونمنح كل تجربة قدرها. قد تفتح الشهرة باب الذاكرة، لكن الأثر وحده هو ما يبقيه مفتوحًا.

ولعل السؤال الأهم هو: لماذا بقيت بعض الأسماء بالرغم من مرور الزمن؟ بقيت لأنها تجاوزت لحظتها التاريخية. لم تقدم عملًا ينتمي إلى زمنها فقط، وإنما قدمت فكرة أو معرفة أو فنًا أو مشروعًا ظل قابلًا للقراءة والاستفادة وإعادة الاكتشاف. ولهذا نجد أن بعض الأسماء التي صنعت حضورها قبل عقود طويلة ما تزال حاضرة في الجامعات والكتب والذاكرة الثقافية، لأن أثرها لم يتوقف بانتهاء حياتها أو عصرها.

وفي المقابل، هناك أسماء كانت شديدة الشهرة في زمنها، وربما احتلت الصفحات الأولى وأضواء المنابر، لكنها تراجعت في الذاكرة العامة بعد تغير الظروف. وليس معنى ذلك بالضرورة أن أصحابها لم يكونوا موهوبين، وإنما قد يكون إنتاجهم مرتبطًا بظرف محدد، أو أن أعمالهم لم تتحول إلى معرفة متراكمة، أو أن حضورهم اعتمد بدرجة كبيرة على المؤسسة أو المنبر الذي منحهم تلك الشهرة.

وتكشف تجارب عراقية بارزة أن الأثر يتخذ أشكالًا متعددة. فعلي الوردي ترك مشروعًا فكريًا واجتماعيًا ما زالت كتبه وأفكاره تثير النقاش حول المجتمع العراقي. وزها حديد، المهندسة المعمارية العراقية، تجاوزت بأعمالها حدود بلدها وأسهمت في تغيير ملامح العمارة المعاصرة عالميًا. أما طبيب القلب طالب خير الله، فيُقاس أثره بما قدّمه في الطب وخدمة المرضى، وبما أسهم به في مجاله. وتؤكد هذه النماذج أن الأثر قد يكون فكريًا أو معماريًا أو طبيًا، وأن قيمته لا تتوقف على الشهرة، بل على ما يضيفه الإنسان إلى مجتمعه وتخصصه.

وهنا تظهر قيمة الزمن بوصفه اختبارًا للأثر. فالزمن لا يحافظ على كل ما كان مشهورًا، ولا يلغي كل ما كان مجهولًا. إنه يعيد ترتيب الذاكرة بصورة مختلفة، فتسقط بعض الأسماء من التداول، وتعود أسماء أخرى إلى الواجهة بعد سنوات، ويُعاد اكتشاف أعمال كانت في وقتها بعيدة عن الضوء. ولذلك فإن المؤرخ أو الباحث لا ينبغي أن يكرر شهرة عصره، بل أن يبحث عما يستحق البقاء بعده.

ومن هذا المنطلق، فإن معيارنا في هذه المقالة لا يقوم على عدد مرات ظهور الشخص في الإعلام، ولا على حجم شهرته في زمنه، ولا على عدد من يعرفون اسمه اليوم فقط، وإنما على الأثر الذي تركه في مجاله وفي المجتمع العراقي، وعلى قدرته على تجاوز لحظته الزمنية. وقد يكون هذا الأثر علميًا أو فكريًا أو فنيًا أو اجتماعيًا أو تعليميًا، وقد يكون في تأسيس مؤسسة، أو إطلاق مدرسة، أو تقديم فكرة جديدة، أو اكتشاف علمي، أو عمل فني أصبح جزءًا من الذاكرة العراقية.

إننا لا نريد أن نقيس الإنسان بعدد الذين صفقوا له في زمنه، بل بما بقي من عمله حين هدأت الضوضاء وانطفأت الأضواء. فالشهرة تعيش في الحاضر، أما الأثر فيعيش في الذاكرة. والشهرة قد يصنعها الجمهور، أما الأثر فتصنعه قيمة ما يتركه الإنسان وراءه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.