: آخر تحديث

مدحلة على صدر الزعيم

4
5
3

منذ بدء مرحلة السقوط الحر لحزب العمال الكردستاني وزعيمه الروحي عبدالله أوجلان، صارت فئة لا بأس بها من المجتمع الكردي تردِّد من حين لآخر عبارة "حكى بدري"، وذلك كلما صدر تصريح جديد عن زعيم الحزب المذكور أوجلان، أو ظهر بيان باسمه، أو نُشر بلاغ بالنيابة عنه، علمًا أن عبارة "حكى بدري" تُطلق في لبنان وسوريا على الشخص المهذار أو مَن يطلق تصريحات تستغبي الناس. أما عن تصريح أوجلان الأخير عن منطقة شنكال، فهو حقيقةً ليس بغريب عن توجهه، ولا هو بعيد عن طبيعته السياسية المتشقلبة، لذا ما من حاجة لتفسير منطوقه أو توضيح مغزاه أو شرح كلامه، إذ مَن كان مطلعًا على المواقف السابقة له يُدرك أن أقواله الحالية امتداد لمجمل تصوراته منذ سنوات طويلة.

بالمقابل، فعند العودة إلى خطاب قيادة إقليم كردستان العراق المتعلق بحزب العمال الكردستاني، وعلى وجه الخصوص خطاب الساسة في الحزب الديمقراطي الكردستاني، نراه ودودًا ونبرتهم أخوية تجاه حزب العمال الكردستاني، علمًا أن الحزب الأخير كان على الدوام وبالًا على إقليم كردستان العراق، لذا فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: لماذا، بعد كل الود والاحترام، لا يكف نزيل إيمرالي ورهطه عن رمي نبالهم المسمومة صوب تجربة إقليم كردستان العراق وقيادة الإقليم على وجه الخصوص؟ ولعل الجواب الأقرب للمنطق هو: حتى لا يكون هناك كرديٌّ مَن هو أنجح وأفيد منهم لملتهم، ولكي لا يبقى في المجتمع الكردي برمته مَن حقَّق المكاسب الجوهرية التي لم يقدر على تحقيق ولو 5 بالمئة منها أوجلان وحزبه خلال أربعين سنة من تقديم القرابين وتدمير المدن وتهجير أهالي عشرات البلدات والقرى، ولكي لا يكون هناك مَن هو موضع احترام وتقدير الغريب والقريب على ما أنجزه، ولكي لا يكون هناك مَن يتسبب بتقزيم تجربة أوجلان وسمعته وتاريخه كلما ذكروا قِباله تجربة الأحزاب الكردية في إقليم كردستان العراق، باعتبار أن تجربة الإقليم بمثابة المدحلة التي تمر يوميًا على صدر الزعيم المتكئ على أرائك الانشراح في جزيرة إيمرالي التركية.

وحقيقةً إن عداوة أوجلان وعترته لإقليم كردستان العراق تُعيد إلى الأذهان قصة المرأة التي لم تقبل بأن يُدنس جسدها وحافظت عليه مقابل النسوة المستسلمات لمدنسي الأجساد، ويظهر أن ما حصل مع المرأة التي صانت شرفها هو نفس الشيء الذي يحدث مع المتمسكين بخصوصياتهم، مَن يحافظون على شخصياتهم ويقاومون سياسات المحو والتذويب مقابل الذين يستمتعون بالانصهار الذاتي المسمى اندماجًا في الآخر، توددًا خنوعًا إليهم وتقربًا ذليلًا منهم.

حيث تقول قصة تلك المرأة: إن جنودًا دخلوا إحدى القرى واغتصبوا كل نساء القرية إلاَّ واحدة من النسوة قاومت الجندي الذي حاول اغتصابها وقتلته وقطعت رأسه! وبعد أن أنهى الجنود مهمتهم ورجعوا لثكناتهم ومعسكراتهم، خرجت كل النساء من بيوتهن يلملمن ملابسهن الممزقة ويبكين بحرقة على ما جرى بحقهن، باستثناء المرأة التي قاومت الجندي ولم تسمح له بأن يُدنس جسدها! حيث خرجت من بيتها وجاءت حاملةً رأس الجندي بين يديها وكل نظراتها عزة نفس وإباء، وقالت لباقي النسوة: هل كنتم تظنون أنني سأتركه يغتصبني دون أن أقتله أو يقتلني؟ وقتها نظرت نساء القرية لبعضهن البعض وقررن أنه يجب قتلها حتى لا تتعالى عليهن بشرفها، ولكي لا يقول الأزواج عند العودة للقرية: لماذا لم تقاوموا مثل تلك المرأة؟ عندها هجمن عليها على غفلة وقتلنها.

وهذا هو حال زعيم حزب العمال الكردستاني ومن بعده كل مَن يتعاطى الأفيون الأوجلاني، فهؤلاء بعد أن كانوا ولسنوات يحلّقون في الفضاء الكردي بشعاراتهم المتطرفة، وفي الأخير وقعوا على رؤوسهم والتصقوا بحضيض الواقع الخالي من أي انتصار أو مكسب ملموس، وبعد أن قدَّموا آلاف الضحايا من أجل اللاشيء الذي صاروا إليه، وبعد أن تخلوا عن كل ما له علاقة بالهوية والخصوصية القومية وتنازلوا عن كل ما يمت الشخصية الإنسانية الحرة والكرامة المجتمعية بصلة، تراهم على الدوام يُحاربون ذلك الذي يُحافظ على ذاته حتى اللحظة ولا ينوي أن يذوب مثلهم في كهاريز الأنظمة الغاصبة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.