لم تكن الورقة التي منحت عُمان بطاقة العبور إلى نصف نهائي "خليجي 27" مجرد إجراء أخير لحسم تعادل استعصى على الأرقام، كانت، بالنسبة إلى الجمهور العراقي، لحظة انكسار مضاعفة: خسارة فرصة المنافسة، والشعور بأن مصير المنتخب خرج من أقدام لاعبيه ليستقر في يد تسحب اسمًا من بين اسمين. هكذا انتهت رحلة "أسود الرافدين" في جدة، وبقي السؤال معلّقًا: هل أقصى الحظ العراق، أم أن العراق ترك للحظ ما كان ينبغي أن يحسمه في الملعب؟
خسر المنتخب العراقي أمام السعودية بهدفين دون رد، فيما انتزعت عُمان فوزًا على الكويت بثلاثة أهداف مقابل هدف. ومع تساوي المنتخبين في النقاط ومعايير الفصل، امتد الانتظار إلى خارج المستطيل الأخضر، قبل أن تمنح القرعة العُمانيين فرصة مواصلة الطريق. كان الإجراء منسجمًا مع لائحة البطولة، لكنه ظل قاسيًا على جمهور اعتاد أن يبحث عن تفسير للهزيمة في هدف ضائع أو خطأ دفاعي، لا في ورقة تُسحب أمام الكاميرات.
تلك القسوة مفهومة. فالمنتخب، في الوجدان الشعبي، يتجاوز حدود الفريق الرياضي، يصبح مساحة يلتقي فيها المختلفون، وفرصة لاستعادة فرح مشترك لا يسأل الناس عن انتماءاتهم. ينتظر المشجع من لاعبيه أن يمنحوه سببًا للاعتزاز، وربّما استراحة قصيرة من أثقال يومه. وحين تنطفئ هذه الفرصة، يخرج الغضب أكبر من حجم المباراة، لأن الخسارة تمسّ أملًا استودعه الناس في القميص، وتوقًا إلى نجاح يستطيع الجميع أن ينسبوه إلى أنفسهم.
لكن تفهّم الألم لا يعفي من مساءلة أسبابه. فالقرعة جاءت في نهاية الطريق، بعدما عجز المنتخب عن تأمين عبوره بنتيجته. وكان التعادل أمام السعودية كافيًا لتجنّب هذا المصير. لذلك فإن اختزال الإقصاء في سوء الطالع يمنح الأخطاء ستارًا مريحًا، ويحوّل واقعة استثنائية إلى عذر جاهز. السؤال الأجدى هو: كيف دخل العراق المباراة الحاسمة، وكيف أدارها، ولماذا فقد القدرة على حماية فرصته حين كان القرار ما يزال بيده؟
هنا تتقدم مسؤولية الجهاز الفني بقيادة غراهام أرنولد. فالانتقادات التي طالت التشكيلة وإدارة المواجهة والمساحات الدفاعية تستحق مراجعة دقيقة، تتجاوز الانطباعات والانفعال. والتساؤل عن إشراك مصطفى سعدون ثم خروجه قبل نهاية الشوط الأول يفتح ملف الجاهزية والتنسيق بين الجهازين الفني والطبي، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تقصير أي طرف. المطلوب تفسير مهني يستند إلى المعلومات، ويحدد موضع الخلل، لأن المحاسبة تفقد قيمتها حين تتحول إلى أحكام تُصدرها حرارة الخيبة.
وفي المقابل، لا يجوز أن يصبح اللاعبون أهدافًا سهلة لتنفيس الغضب. المطالبة باستبعاد أسماء بعينها قد تمنح المتحدث إحساسًا سريعًا بالحسم، لكنها لا تبني منتخبًا. اللاعب مسؤول عن أدائه، ويُسأل عنه بوضوح، وله أيضًا حق في تقييم منصف يراعي المهمّة التي كُلّف بها والظروف التي لعب خلالها. ثمة فارق أخلاقي ومهني بين نقد الخطأ وإهانة صاحبه، الأول يفتح باب الإصلاح، والثانية تزرع الخوف وتدفع الجميع إلى الدفاع عن أنفسهم.
أما الاستوديوهات التي تحولت إلى ساحات سجال وتلميحات بتصفية الحسابات، فقد أضافت إلى الخسارة خسارة أخرى: إضعاف النقاش الذي يحتاجه الجمهور. حين تُستثمر الهزيمة لإدانة خصم أو حماية حليف، تضيع الوقائع وسط الضجيج. والإعلام الرياضي مسؤول عن تحويل الغضب إلى أسئلة واضحة، وعن اختبار الإجابات، لا عن مضاعفة المرارة بعبارات جارحة. فالجمهور يستحق تفسيرًا يساعده على الفهم، ويستحق أن يرى من يتحدث باسمه أكثر انضباطًا ممن ينتقدهم.
ويكتسب حديث أحد أعضاء الاتحاد عن محاضرة لشرح اللوائح والبطاقات، كان يُفترض إقامتها ولم تُعقد، دلالة تتجاوز هذه المشاركة. فالتفصيل الذي يبدو هامشيًا قبل المباراة قد يصبح فاصلًا بعدها. والإعداد الجيد يشمل معرفة القواعد وإدارة الاحتمالات، إلى جانب التدريب البدني والخطط الفنية. أما استقلالية المدرب فلا تلغي مسؤولية الاتحاد عن توفير شروط العمل ومتابعتها، لكل طرف صلاحياته، ولكل صلاحية واجب يمكن قياسه ومراجعته.
ومن الإنصاف أيضًا ألّا يتحول الأسى العراقي إلى انتقاص من عُمان. فالمنتخب العُماني صنع فرصته بالفوز، ثم عبر وفق الإجراء المعتمد. احترام فرحته جزء من احترام المنافسة نفسها. وإذا كان حسم التأهل بالقرعة يستدعي نقاشًا حول تطوير اللوائح، فذلك نقاش مشروع للمستقبل، ينبغي أن يُدار بهدوء وعلى أساس واضح، بعيدًا عن الرغبة في تعديل القواعد بعد معرفة الخاسر.
يحتاج العراق الآن إلى مراجعة معلنة، تحدد الأخطاء وتربطها بقرارات تصحيحية، لا إلى اعتذار ينتهي أثره بانتهاء بثّه. فالاعتذار بداية الاعتراف، وتكتمل قيمته حين يتبعه عمل يمكن للجمهور أن يراه. لقد حسمت القرعة اسم المتأهل، لكنها لا تستطيع أن تحسم أسئلة المسؤولية. وهذه الأسئلة يجب أن تبقى مفتوحة حتى تجد إجاباتها، لأن أشد ما يؤلم الناس أن تتكرر الخيبة، ثم يُطلب منهم، في كل مرة، أن يلوموا الحظ.


