لم تكن الانتخابات التشريعية المغربية مجرّد منافسة جديدة بين الأحزاب، إذ انتهت بتصدّر حزب الأصالة والمعاصرة ليحصل على 97 مقعدًا من أصل 395. الرسالة الأهم جاءت هذه المرّة من الجنوب، من الأقاليم الصحراوية التي سجّلت نسب مشاركة تجاوزت بفارق كبير المعدّل الوطني.
شارك 38.08 بالمئة فقط من الناخبين المسجّلين على نطاق المملكة، إذ تراجعت نسبة الانتخابات بشكل واضح عن عام 2021، فبلغت 77 بالمئة في جهة العيون–الساقية الحمراء، و61 بالمئة في الداخلة–وادي الذهب، و53.48 بالمئة في كلميم–واد نون. وفي طرفاية وحدها اقتربت المشاركة من 89 بالمئة. هذه الأرقام ليست تفصيلًا انتخابيًا، ولا يجوز اختزالها في خطاب احتفالي. إنها تعبّر عن رغبة سكان الجنوب في أن يكونوا جزءًا فاعلًا من المؤسسات المغربية، لا مجرّد موضوع في حلقة نزاع إقليمي طويل الأمد.
لم تغب أهمية الاقتراع الصحراوي عن المراقبين الدوليين. فقد أوفد المعهد الجمهوري الدولي بعثة خاصة لمراقبة الانتخابات في العيون والداخلة، برئاسة مشتركة لمساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر وتامي لونغابرغر، عضو مجلس إدارة المعهد. والتقت البعثة السلطات والأحزاب والمجتمع المدني، وراقبت عمليات الاقتراع والإقفال والفرز.
صحيح أن المعهد منظمة مستقلة ولا تمثّل بعثته الحكومة الأميركية، لكن يصعب فصل اختيار الأقاليم الجنوبية، واختيار شينكر تحديدًا، عن المسار الذي بدأه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2020 عندما اعترف بسيادة المغرب على الصحراء. شينكر كان مسؤولًا بارزًا في إدارته، وكان من أوائل المسؤولين الأميركيين الذين زاروا الداخلة بعد صدور ذلك القرار. وعليه، هذه البعثة تشير إلى أن الاعتراف الأميركي لا يراد له أن يبقى حبرًا على ورق، لا بل تواكبه خطوات عملية تدعم المشاركة الديمقراطية والحكم المسؤول، تمهيدًا لمزيد من التعاون التنموي والاستثمار والمساعدة الاقتصادية. يكتسب الاعتراف بالسيادة معناه حين يقترن ببناء المؤسسات وتحسين حياة السكان.
الصندوق الانتخابي، في هذه الحالة، ليس فقط وسيلة لاختيار نائب، إنه أداة للاندماج السياسي وإنتاج الشرعية المحلية. عندما ينتخب الصحراوي ممثليه ويحاسبهم ويطالبهم بتعبيد الطرق وإنشاء المدارس والمستشفيات واستحداث فرص العمل، فإنه ينطلق من كونه مواطنًا مغربيًا يتمتع بحقوق متوجبة على الدولة، وعليه بالمقابل واجبات تجاهها.
لكن الانتماء للدولة المغربية لا يُثبت في صندوق الاقتراع وحده، ولا بالشعارات والخرائط. هذا الانتماء تُجسده نوعية الحياة التي ينعم بها المواطن. أما أضمن طريق لإضفاء الهوية المغربية كاملةً على الصحراء وبصورة دائمة فهو أن يشعر أهلها بأنهم شركاء في الثروة وصنع القرار، وأن المسافة بينهم وبين الرباط ليست مسافة سياسية أو اقتصادية، بل مجرّد مسافة جغرافية.
لهذا تكتسب مشاريع التنمية في الجنوب أهمية تفوق قيمتها المالية المباشرة. فالنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أُطلق عام 2015، رُصدت له موازنة بلغت 87.5 مليار درهم مغربي، موزّعة على البنى التحتية والاقتصاد والتنمية البشرية والحوكمة. ومن مشاريعه الطريق السريع بين تزنيت والداخلة، وميناء الداخلة الأطلسي، ومحطات تحلية المياه، والمناطق الصناعية ومشاريع الطاقة الشمسية والريحية.
هذه ليست كماليات، بل أدوات سيادية. الميناء الذي يربط الداخلة بالأسواق الإفريقية والعالمية يؤثر أحيانًا أكثر من عشرات الخطابات. والطريق الذي يختصر المسافة بين الجنوب وبقية المملكة يختصر أيضًا المسافة النفسية والسياسية بين الأطراف والمركز.
غير أن التنمية لا تعني الإسمنت وحده. التحدي يكمن في تحويل الاستثمارات إلى وظائف ثابتة وتعليم أفضل وخدمات صحية كافية واقتصاد محلي منتج. لا يكفي أن تمرّ المشاريع الكبرى في الصحراء، المطلوب أن يستفيد سكانها وصنّاعها منها، وأن يحظى شبابها ونساؤها بمراكز إدارية فعّالة فيها.
وهنا تظهر دلالة أخرى للانتخابات. لقد ترشحت 2659 امرأة، شكّلن نحو 37 بالمئة من مجموع المرشحين. كما اكتسبت الانتخابات بُعدًا تاريخيًا إضافيًا مع تعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب. ولا يمكن التعامل مع هذا التعيين بوصفه تفصيلًا بروتوكوليًا أو زينة حداثية، فهو ينقل مشاركة المرأة من نظام الحصص والتمثيل البرلماني إلى قيادة السلطة التنفيذية. كما يؤكد أن الإصلاح المتدرّج الذي رعاه العاهل المغربي قادر على إحداث تحولات حقيقية من داخل المؤسسات، من دون القفز في المجهول أو تعريض استقرار الدولة للخطر. غير أن القيمة الفعلية لهذا الإنجاز ستُقاس بقدرة المنصوري على تشكيل حكومة فاعلة، وتحويل رمزية وصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة إلى سياسات تلبي تطلعات المواطنين، وتقلّص الفوارق، وتربط الجنوب وسائر الأطراف بصورة أعمق بالمركز.
المغرب ليس بلدًا غنيًا بلا قيود. موارده محدودة، والفوارق الاجتماعية والمجالية فيه واقعية، كما أن انخفاض المشاركة الوطنية إلى أقل من أربعين بالمئة يحمل إنذارًا لا يجوز تجاهله. وقد واجه الملك محمد السادس هذا التحدي أكثر من مرة، واختار الردّ عليه بالإصلاح المتدرّج والاستثمار وربط الأطراف بالمركز. لكن نجاح هذه الرؤية يتطلب حكومة أكثر قدرة على الاستماع والتنفيذ والمحاسبة.
لقد صوّت الجنوب بكثافة، والرسالة التي وجّهها ليست إلى الخارج فقط، بل إلى الرباط وواشنطن أيضًا: نحن جزء من المغرب، ولذلك نريد نصيبنا الكامل من المغرب. من هنا يبدأ تثبيت السيادة الحقيقي: مواطن ينتخب، ومنتخب يُحاسب، وتنمية تصل إلى الأطراف، وشركاء دوليون يحوّلون الاعتراف السياسي إلى دعم اقتصادي مؤسساتي ملموس.

