ها هو الوجود العسكري الأميركي في العراق يعلن انسحابه رسميًا، بعد أكثر من عقد على عودته لمحاربة تنظيم داعش. انسحاب اليوم ليس الأول، ففي عام 2011 غادرت القوات الأميركية العراق، ثم عادت بعد ثلاث سنوات بطلب من الحكومة العراقية عندما اجتاح داعش مساحات واسعة من البلاد. وفي 30 أيلول (سبتمبر) 2026 غادرت القوات الأميركية آخر مواقعها في العراق، منهية مهمة التحالف العسكرية، مع استمرار أشكال أخرى من التعاون الأمني والاستخباري بين بغداد وواشنطن.
لكن خروج الأميركيين لا يعني أن العراق خرج من دائرة النفوذ الخارجي.
على مدى أكثر من عشرين عامًا، تمكنت إيران من بناء نفوذ سياسي وأمني واسع داخل العراق، وارتبطت قوى وأحزاب وفصائل عراقية بطهران بدرجات مختلفة. واتسع هذا النفوذ بعد 2003، ثم تعزز أكثر بعد حرب داعش عام 2014، حتى أصبحت إيران لاعبًا أساسيًا في السياسة والأمن العراقيين.
لا أقول ذلك مديحًا لإيران ولا ذمًا لها، وإنما تذكيرًا بواقع لا يحتاج إلى كثير من الشرح.
لكن السؤال الذي يهمني اليوم مختلف.
ماذا يحدث عندما يصبح نفوذ دولة ما في دولة أخرى واسعًا إلى درجة تجعل حدود القرار بينهما غير واضحة؟
هنا أتذكر الكويت.
في 2 آب (أغسطس) 1990 دخل صدام حسين الكويت، بعدما بنى قراره على حسابات تتعلق بالنفط والديون والحدود والعلاقات العربية، وربما اعتقد أن القضية يمكن أن تبقى في إطار المنطقة. لكن الكويت لم تبقَ شأنًا عراقيًا، وتحولت العملية خلال أيام إلى أزمة دولية، ثم إلى حرب قادتها الولايات المتحدة ضمن تحالف دولي واسع.
إيران نفسها عارضت الغزو العراقي للكويت، وأعلنت رفض تغيير الحدود المعترف بها دوليًا بالقوة العسكرية. لكنها في الوقت نفسه رأت أن الوجود الأميركي الذي جاء بعد الغزو يمثل خطرًا آخر عليها.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف.
إيران تعرف أكثر من غيرها أن دخول دولة إلى مساحة جارتها لا ينتهي دائمًا عند حدود الجغرافيا.
أحيانًا يفتح الباب لقوى أخرى.
صدام دخل الكويت، فدخل الأميركيون المنطقة بقوة أكبر.
واليوم يخرج الأميركيون من العراق، فيما تقف إيران أمام منطقة مضطربة وحرب مفتوحة وضغط أميركي وإسرائيلي وملف هرمز الذي لا يزال قادرًا على تغيير حسابات المنطقة كلها.
فهل يكون الانسحاب الأميركي من العراق نهاية الحضور الأميركي؟
ربما لا.
وهل يعني أن المساحة التي تركتها واشنطن أصبحت مفتوحة أمام طهران؟
أيضًا لا.
فالولايات المتحدة تستطيع مغادرة القاعدة، لكنها لا تغادر بالضرورة معادلات المنطقة. وإيران تستطيع المحافظة على نفوذها في العراق، لكنها لا تستطيع أن تفترض أن هذا النفوذ سيبقى بلا حدود أو ردود فعل. والمشكلة هنا ليست في علاقة العراق بإيران، فالجغرافيا والتاريخ والمصالح تفرض هذه العلاقة، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها النفوذ إلى وصاية، أو تتحول بغداد إلى امتداد لقرار يأتي من خارجها.
العراق اليوم أمام امتحان سيادة حقيقي.
فبعد خروج الأميركي، لم يعد السؤال فقط: من يحمي العراق؟
السؤال أصبح: من يقرر في العراق؟
وهذا سؤال أكبر من واشنطن وطهران معًا.
لأن العراق الذي ظل لسنوات طويلة ساحة للتنافس بين القوى، يستطيع الآن أن يحاول بناء مساحة خاصة به، لا يكون فيها تابعًا لأميركا ولا لإيران، ولا تتحول أرضه إلى منصة لضرب أي منهما.
وفي المقابل، أمام إيران فرصة لتقرأ التاريخ من زاوية مختلفة.
فالعراق ليس الكويت.
وإيران ليست صدام حسين.
والزمن ليس عام 1990.
لكن القاعدة نفسها لم تتغير كثيرًا: عندما يعتقد طرف أن ضعف جاره يمنحه حق إدارة شؤونه، قد يكتشف متأخرًا أن الجار الضعيف يمكن أن يصبح نقطة دخول للآخرين.
ربما لهذا يصبح درس الكويت مهمًا الآن أكثر من أي وقت مضى.
ليس لأن إيران ستدخل الكويت، ولا لأن ذلك هو السيناريو المطروح، وإنما لأن السؤال الحقيقي يتعلق بحدود القوة وحدود النفوذ.
هل تتعظ إيران من تجربة صدام؟
هل تعرف أن العراق، مهما كانت علاقاته بها، ليس جزءًا من جغرافيتها السياسية؟
وهل تدرك أن أفضل نفوذ يمكن أن تحتفظ به في العراق هو النفوذ الذي لا يجعل العراقي يشعر بأن قراره صادر من خارج بلاده؟
في السياسة، لا تكفي معرفة كيفية نصب الشباك.
الأهم أن تعرف أين تنتهي الشباك التي نصبها الآخرون.
أميركا انسحبت من العراق، وإيران تراقب، والعراق يقف أمام مرحلة جديدة، وهرمز يظل مفتوحًا على احتمالات كثيرة.
والبحر، كما هو دائمًا، لا يكشف لمن يمد يده إليه إن كانت الشبكة التي يحملها ستصطاد سمكة صغيرة أم حوتًا.


