: آخر تحديث

في لويزيانا وجوه لا تُنسى

6
5
5

في زياراتي المتكرّرة إلى ولاية لويزيانا الأميركية، لم تكن الأمكنة وحدها هي التي تستوقفني، ولا الطرق الطويلة، ولا اختلاف اللهجات والوجوه، بل كان الإنسان نفسه هو الحكاية الأجمل والأبقى. هناك، في تلك الولاية البعيدة، تعلّمت أن بعض الصور التي يحملها المرء عن الآخرين ليست سوى أحكام جاهزة صنعتها الحكايات والخوف وما يتناقله الناس.

كان بعض من أعرفهم يحذّرونني من أحياء بعينها، ويرسمون لسكانها صورًا مخيفة، ولا سيما السود منهم، وكأن الإنسان يمكن اختصاره بلون بشرته أو الحي الذي يسكنه. لكن الأيام التي عشتها هناك قالت لي شيئًا آخر تمامًا. لقيت بين الناس من أحسن استقبالي، ومن بادرني بالمودة، ومن جعلني أدرك أن الحكم المسبق قد يحجب عنا كثيرًا من الوجوه الطيبة.

ومع ذلك، فإن وجهًا واحدًا ظلّ يتقدّم كلما عدت بذاكرتي إلى تلك الأيام: وجه صديقي الراحل أبو أحمد.

كان أبو أحمد ابن بلدي، يكبرني بأكثر من عشرين عامًا، بسيط الحال، قليل المال، ترتدي ثيابه آثار التعب والسنين. غير أن تلك البساطة لم تنتقص شيئًا من حضوره في عيني، كان شديد العناية بنظافته، دقيقًا في عمله، مهذبًا في حديثه، متواضعًا في علاقته بالآخرين، ومن أولئك الرجال الذين لا يلفتون النظر عند اللقاء الأول، لكنهم يحتلون مكانًا واسعًا في الذاكرة بعد أن تعرفهم.

كثيرًا ما كان بعض الأصدقاء والمعارف يسألونني: ما الذي يجمعك بهذا الرجل؟

وكنت أشعر أن السؤال يُخفي أكثر مما يظهر، كأن الصداقة، في نظر بعضهم، تحتاج إلى تشابه في العمر والمال والمكانة، وكأن الناس يُقاسون بثيابهم وما في جيوبهم. وكانوا يستغربون أن يرافقني أبو أحمد إلى المناسبات، أو أن يكون معي حين أزور الأصدقاء.

أما أنا فلم أكن أرى فيه تلك الفوارق التي كانوا يرونها. كنت أرتاح إلى حديثه، وأجد في نصائحه خلاصة رجل خبر الحياة وعرف قسوتها. وكنت أقول لمن يسألني: الفقر ليس عيبًا، وأبو أحمد رجل كريم ومتواضع، وفي صحبته ما لا يُشترى بالمال.

لم يكن بيته غنيًا بالأثاث ولا بمظاهر الرفاه، لكنه كان غنيًا بشيء آخر: الكرامة.

كلما زرته كان يهيئ لي أفضل ما لديه من فرش، ويطلب إلى أهل بيته أن يقدّموا القهوة والشاي وكأسًا من الماء البارد. ما زلت أذكر عنايته بذلك الكأس ونظافته، وكأنه كان يقدّم أثمن ما يملك. وربما تبدو هذه التفاصيل صغيرة في أعين البعض، لكنها بالنسبة إليّ كانت تقول الكثير. كان يريد أن يكرم ضيفه بما لديه، لا بما يتمنى أن يكون لديه.

هناك فهمت أكثر أن الكرم ليس كثرة ما تقدمه، بل مقدار الحب الذي تضعه فيما تقدمه.

وإذا كنت قد ساعدت أبا أحمد في بعض مراحل حياته، فإنني اليوم أجد أن ما منحني إيّاه من صداقة وثقة ومودة كان أكبر بكثير. فالإنسان قد ينسى المال الذي أعطاه أو أخذه، لكنه لا ينسى قلبًا أحسن إليه في وقت الحاجة.

ثم حصل أبو أحمد على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، وبدأت معنا مرحلة جديدة من حياتنا. سافرنا معًا إلى البلاد التي كانت، بالنسبة إلى كثيرين من أبناء جيلنا، صورة للحلم والعمل والأمان.

لم تكن البداية سهلة. حمل كل منا قلقه وأسئلته وآماله، غير أن وجودنا معًا خفف شيئًا من رهبة المكان الجديد. ففي الغربة يصبح الوجه الذي تعرفه أقرب إلى وطن صغير تحمله معك أينما ذهبت.

عملنا أول الأمر في محل للبيتزا بولاية ميسيسيبي، ثم انتقلنا إلى محل آخر في لويزيانا يملكه شاب سوري من مدينة حماة. كان العمل شاقًا، والساعات طويلة، والأجر الذي يحصل عليه أبو أحمد لا يتناسب مع تعبه. كنت أراه يعود مرهقًا، ويواصل عمله بصمت، فأشعر أن علينا أن نبحث عن فرصة أكثر إنصافًا.

وفي تلك الفترة تعرّف أبو أحمد إلى أبي عمار، وهو فلسطيني استقر في الولاية منذ سنوات طويلة. التقيناه، فاستقبلنا بترحاب وكرم، وبعد أيام تركنا عملنا السابق وانتقلنا للعمل معه بأجر أفضل وساعات أقل.

ربما يبدو الأمر مجرد انتقال من عمل إلى آخر، لكنه كان بالنسبة إلينا أكثر من ذلك. كان يعني أن هناك من رأى تعبنا وقدّره، وأن الغربة ليست دائمًا أبوابًا موصدة، أحيانًا يظهر شخص لا تعرفه جيدًا ويفتح أمامك بابًا في اللحظة التي تشعر فيها أن الطرق تضيق.

ومن خلال العمل والحياة اليومية، تعرّفنا إلى اثنين من الأصدقاء الفلسطينيين الذين ما زلت أذكرهما بكثير من المودة والوفاء: أبو الأمير ـ أيمن أبو الذهب، وعبد الحميد عرندس ـ أبو محمد.

وقف هذان الصديقان معنا في أيام لم تكن سهلة، وساعدانا في البحث عن فرص عمل، وساندانا ماديًا خلال الفترة التي قضيناها في لويزيانا. وما فعلاه لم يكن مجرد مساعدة عابرة، بل كان نوعًا من الأخوّة التي تولد في الغربة بين أناس تجمعهم اللغة والذاكرة والحنين.

وكان محل أبي الأمير العربي واحدًا من الأماكن التي شعرنا فيها بشيء من دفء بلادنا. كنا نجلس هناك إلى جانبه وإلى جانب أبي محمد، ونتبادل الأحاديث مع الضيوف عن العمل والأجور القليلة، وعن صعوبة البدايات، وعن الوطن الذي لا يغادر الإنسان مهما ابتعد عنه.

في تلك الجلسات كانت الغربة تبدو أقل وحشة. فالحديث مع شخص يفهم تعبك قد يكون أحيانًا أكثر راحة من أي شيء آخر، والجلوس مع أبناء بيئتك يمنحك شعورًا مؤقتًا بأن المسافات تقلّ، وأن شيئًا من الوطن جاء ليجلس معك على الكرسي المقابل.

ولا أنسى كذلك أبا العبد، مأمون أبو جودة صاحب مطعم كليوباترا، الذي فتح لي أبواب مطعمه وسعى إلى مساعدتي في العثور على عمل مناسب. كانت تلك المواقف الصغيرة في ظاهرها كبيرة في معناها، لأنها جاءت في وقت كان الإنسان فيه بأمسّ الحاجة إلى يد تمتد إليه أو كلمة تشعره بأنه ليس وحده.

لقد تقاسمنا مع هؤلاء الأصدقاء الخبز والملح، وتبادلنا الشكوى والضحك والحنين، وصارت بينهم وبيننا علاقة تجاوزت ظروف العمل والغربة.

مرت السنوات بعد ذلك، وتفرقت بنا السبل، وغادر أبو أحمد هذه الدنيا إلى دار الخلود. لكن بعض الناس، وإن غابوا، لا يغادروننا حقًا.

ما زلت كلما تذكرت لويزيانا أراه أمامي: ابتسامته الهادئة، وصوته، ونصائحه، وحرصه على ضيفه، وذلك الكأس البارد من الماء الذي كان يقدمه لي بكل عناية.

ربما ينسى الإنسان المطاعم التي دخلها، والطرقات التي مر بها، وحتى بعض المدن التي زارها، لكنه لا ينسى أبدًا من جعل تلك الأمكنة أكثر إنسانية.

علّمني أبو أحمد أن غنى الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين. وعلّمتني لويزيانا أن أجمل ما نحمله من أسفارنا ليس الصور ولا أسماء المدن، بل أولئك الذين وقفوا معنا حين كنا غرباء، ومنحونا شيئًا من الأمان والألفة.

وحين أعود اليوم إلى تلك السنوات، أجد أن أثمن ما بقي منها هو الوجوه.

وجوه مرّت في الطريق، وأخرى استقرّت في الذاكرة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.