النظريات الاستراتيجية علم وفن تتداخل فيهما الجغرافيا بالسياسة، والقدرات العسكرية بالاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والاستخبارية.
وهناك مفاهيم استراتيجية هامة لا بد من إدراكها بشكل معمق لمعرفة مدى القدرة على الدفاع والردع والنفوذ، وهذا ما تسعى له القوى العالمية كالولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا، وغيرها من القوى الإقليمية كإسرائيل وإيران، ومن أهمها: العمق الاستراتيجي، والبعد الاستراتيجي، وهناك من يخلط بينهما خطأً وبسبب الجهل بحقيقتهما.
والفرق الجوهري بين العمق الاستراتيجي والبعد الاستراتيجي - مع أهمية التكامل والجمع بينهما - يكمن في أن العمق الاستراتيجي يركز على المساحة الجغرافية والمادية لتعزيز الدفاع وحماية المصالح (البعض يصنفه مفهومًا عسكريًا، والحقيقة أن له أبعادًا سياسية واقتصادية كذلك).
بينما يركز البعد الاستراتيجي على الامتداد الشامل (الجغرافي، التاريخي، الثقافي، والسياسي) لتعزيز القوة والنفوذ (مفهوم جيوسياسي).
وهنا بعض التفصيل بينهما:
العمق الاستراتيجي (Strategic Depth):
المفهوم - هو المساحة الجغرافية الفاصلة بين خطوط الجبهة الأمامية (الحدود) ومراكز الثقل للدولة، على سبيل المثال (العاصمة، المناطق الصناعية، السكان)، ويمتد لدول الجوار بشرط الصداقة والتحالف وتوافق المصالح، ومحيطه أقل من البعد الاستراتيجي.
الهدف - القدرة على امتصاص ضربة العدو، والانسحاب تكتيكيًا دون خسارة الحرب، ومنح الجيش الوقت لإعادة التنظيم ووجود طرق ووسائل بديلة لحماية المصالح.
التركيز - عسكري ومادي (جغرافيا).
مثال: العمق الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية وقدرتها على تفادي إيقاف التصدير عبر مضيق هرمز، وكونها عمقًا استراتيجيًا لدول الخليج العربي وللعراق باستثناء سلطنة عُمان، وهناك المساحات الشاسعة لروسيا حيث تعتبر عمقًا استراتيجيًا هائلًا، والعمق الجغرافي الطبيعي لإيران وجوارها لروسيا ودول وسط آسيا، بينما تفتقر إسرائيل للعمق الاستراتيجي لصغر مساحتها والعداء مع محيطها العربي.
البعد الاستراتيجي (Strategic Dimension):
المفهوم - هو الامتداد التاريخي، الجغرافي، الثقافي، أو التحالفي الذي تستخدمه الدولة لتعزيز دورها ونفوذها في محيطها الإقليمي والدولي.
الهدف - تحويل الدولة من مجرد "طرف" في النزاعات إلى "فاعل" محوري عبر استثمار العلاقات والجوار الجغرافي والثقافة المشتركة.
التركيز - جيوسياسي شامل (تاريخ، جغرافيا، سياسة).
مثال: الانتشار الأميركي في العالم بكافة وسائله وطرقه وتحجيم النفوذ الروسي والصيني بكافة أشكاله، والبعد التاريخي والجغرافي للمملكة العربية السعودية ودورها كقوة إقليمية.
وهنا يتضح أن العمق الاستراتيجي: عسكري دفاعي وذو أبعاد سياسية واقتصادية، ويركز على الجغرافيا السياسية ومدى إمكانية امتصاص الهجوم والانسحاب والدفاع والتحصين، وهذا يعتمد على ما تمتلكه الدولة داخليًا ومحيطها الحليف، وهو ما يمنعها من السقوط.
والبعد الاستراتيجي يعتمد على السياسة الجغرافية أو ما يسمى "جيوبولتيك" والتأثير، ويجمع ما بين التواجد الفعلي والتأثير التاريخي والثقافي وزيادة النفوذ والفعالية وما تملكه الدولة خارجيًا وتاريخيًا، وهو ما يجعلها مؤثرة.
وبناءً على ما سبق يتم إعداد استراتيجية الأمن الوطني والسياسات الداخلية والخارجية وتحديد المحاور الجغرافية والمصالح والأولويات والتهديدات المباشرة والكامنة على المدى القريب والبعيد والأوضاع المتجددة والنظرة المستقبلية وصلاحيتها للواقع، ويتم وضع الأساليب التي يتم استخدامها لمواجهة التحديات والمخاطر والتهديدات للمحافظة على البعد الاستراتيجي والعمق الاستراتيجي وتحسين بيئتهما وحماية المصالح وتحجيم الطرف الآخر.


