: آخر تحديث

تأملات في الاحتفالية الدوسرية – اللبنانية باليوم الحاضر الدائم في الذاكرة

5
4
3

 

بدت احتفالية السفير السعودي لدى لبنان فهد بن عبدالرحمن الدوسري كما لو أنها استحضار للمبادرة السعودية التي تمثلت بـ"اتفاق الطائف"، مع ملاحظة أن الذين شاركوا في ذلك الاتفاق وغادروا جدة عائدين إلى الوطن المتناثر سياسيًا وحزبيًا بات معظمهم في ذمة الله، تاركين برسم مَن سيليهم في برلمانهم أمثولة التفاهم بالحسنى على القضايا العالقة، وبالتخاطب اللائق، كون الذي حفلت به أحدث الاجتماعات البرلمانية كان صادمًا، ولا يمت بأي صلة إلى جوهر التخاطب الديمقراطي وأهمية أن تتقبل الأطراف المعنية المواقف من دون استعمال مفردات غير راقية ومؤذية معنويًا.

من ملامح الاحتفالية الدوسرية أنها جمعت كل الأطياف الحزبية، إنما بالصيغة البرلمانية للذين يمثلون الأحزاب، بمن في ذلك نواب من "طائفة" المقاومة المقبولة نسبيًا من أهل القرار السعودي، ونعني بذلك "المقاومة" التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه بري. وكانت مشاركة الدكتور سمير جعجع، وهو ليس عضوًا في البرلمان، نوعًا من إضفاء التميز من جانب السفير الدوسري على شخص الدكتور جعجع وأهمية دوره الصلب في التصدي لـ"حزب الله"، فضلًا عن أنه، في حضوره، ينوب عن زوجته ستريدا جعجع، عضو مجلس النواب.

من ملامح الاحتفالية أيضًا انفراد اثنين من النواب في التعبير عن التقدير للدور السعودي تجاه لبنان. فالنائب فؤاد مخزومي، الذي شارك في الاحتفالية بعد لقاء عقده في "معراب" مع الدكتور سمير جعجع، وسجّل خلاله أهمية حدوث تعاون وطني سيادي وإصلاحي لتنفيذ الأولويات، وقف قائلًا، وبما يشبه تقديم أوراق اعتماد لخلافة الدكتور نوّاف سلام في ترؤس الحكومة: "نجدد للمملكة قيادة وشعبًا أصدق التهاني وأطيب مشاعر المحبة والتقدير، ونعتز بما تحققه المملكة وقيادتها من نهضة وإنجازات، وبرؤية طموحة تفتح آفاق المستقبل وتمنح الشباب العربي أملًا وثقة بأن الغد يمكن أن يكون أفضل. وللمملكة في قلوب اللبنانيين مكانة لا تختصرها الكلمات، فقد وقفت إلى جانب لبنان وشعبه في أصعب الظروف، وكانت سندًا لاستقراره وسيادته وعروبته. هذا الوفاء نحفظه بمحبة وامتنان، ونتمسك بأخوّة راسخة تجمع شعبينا".

وأما الذي قاله النائب سامي الجميّل، وبما قلّ ودلّ من الكلمات، فهو: "إن المملكة كانت وستبقى سندًا حقيقيًا للبنان وشعبه في كل المراحل...". وهذه الكلمات يمكن أن تصبح سطورًا، ويصبح ثبات الإقرار بالدور السعودي بمثابة أوراق اعتماد للترؤس بعد ولاية الرئيس جوزف عون، وإن كان ذلك ليس محسومًا، حيث إن كفة الدكتور سمير جعجع راجحة أكثر في الميزان السعودي.

على مدى أربعة عقود، كان لكل من السفراء الذين تعاقبوا على التمثيل الدبلوماسي للمملكة في لبنان، فؤاد صادق مفتي، عبد العزيز بن حمود بن زيد، علي بن حسن الشاعر، عبد العزيز خوجة، علي عواض عسيري، ووليد بخاري، أسلوبه في إحياء الاحتفالية مكانًا ومخاطبةً ومدعوين. لكن احتفالية السفير الدوسري اتسمت بأن تكون في الدارة السعودية، ما يعكس أن المدعوين هم في بيتهم الثاني، مكانًا ومخاطبةً ومدعوين، وبأن تكون المشاركة فيها للدولة اللبنانية بمن يمثل رئاستها وجيشها وشيوخ المرجعيات المذهبية.

وبدا ذلك في مخاطبته المشاركين في الاحتفالية الوطنية، وفي هذه الظروف التي يعيشها لبنان: "إن المملكة التي أنقذت الصيغة اللبنانية من خلال مؤتمر الطائف ما زالت على ثباتها لإنقاذ هذه الصيغة التي تبدو خيوطها متشابكة، إلا أن حرص المملكة على هذا الوطن في تزايد من أيام الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، والآن مع أيام حرص خادم الحرمين الشريفين وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان على أن يستعيد الوطن الصغير مكانته الكبرى"، وعلى نحو ما تمناه له الملك عبدالعزيز.

ولنا ما يؤكد ذلك: تبادل الرسائل بينه والرئيس الأول للبنان المستقل الشيخ بشارة الخوري، كما لنا في تذكير السفير الدوسري، في الكلمة التي ألقاها، اللبنانيين باستقبال الملك عبدالعزيز للرئيس كميل شمعون، تتويجًا لاعتراف المملكة بلبنان دولة مستقلة ذات سيادة.

ويبقى الوعد السعودي الذي أورده السفير الدوسري في السطور الآتية: "تؤكد المملكة العربية السعودية وقوفها ومساندتها للبنان من أجل استعادة سيادته على أراضيه ومقدراته كافة". لعل تنفيذ الوعد يأتي في أي لحظة من جانب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقد اكتمل إنجاز رؤيته (2030)، والتي وصفها السفير الدوسري في كلمته بأنها "رسمت مسيرة تحول وطني استثنائي مرتكزة على بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح...". عسى ولعل تحدث الهداية الأميركية – الإيرانية، وبذلك تكتمل معالم تلك الرؤية.

... وعلى نحو ما هي مشاعر أكثرية اللبنانيين: مبروك للمملكة عيدها، وللأمة كثير الأمل بخروجها سالمة من العناد الأميركي – الإيراني. والله الهادي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.