: آخر تحديث

السعودية.. أبعد من برميل النفط

5
5
3

قد لا يعرف عامل في آسيا، أو مزارع في أفريقيا، أو أسرة في أوروبا، الكثير عن تفاصيل السياسة في الشرق الأوسط. لكن اضطراب المنطقة يستطيع أن يصل إليهم في فاتورة النقل، وسعر الغذاء، وكلفة الإنتاج. هكذا يعبر النفط حدود الجغرافيا والسياسة، ويصبح انتظام إمداداته جزءًا من قدرة الناس على مواصلة حياتهم.

وراء برميل النفط سلسلة طويلة من الاحتياجات البشرية: سلع تنتظر الوصول، ومصانع تحتاج إلى التشغيل، ومنظومات تعتمد على حركة الاقتصاد. وحين تواصل السعودية توفير الإمدادات وسط نزاعات الشرق الأوسط، يصل أثر هذا الدور إلى مجتمعات بعيدة عن حقولها وحدودها. هنا تبدأ قراءة مكانتها الدولية من أثر قراراتها في حياة الآخرين.

ومن هذا المنطلق، يتيح الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه الأمير محمد بن سلمان أمام مجلس الشورى، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، النظر إلى هذه المسؤولية في إطار أوسع. تناول الخطاب استمرار الإمدادات النفطية بالرغم من التصعيد، وحماية الممرات البحرية، والقدرة على ردع التهديدات، والعمل الدبلوماسي لخفض التوتر. وتلتقي هذه الملفات عند حاجة مشتركة بين الدول والشعوب: استمرار الحياة بأقل قدر من الخوف والاضطراب.

النفط عصب أساسي للاقتصاد العالمي. يدخل في حركة النقل والإنتاج، وتعتمد عليه جوانب واسعة من سلاسل الإمداد. وعندما تضطرب أسواقه، تنتقل الضغوط إلى ميزانيات الدول والشركات والأسر. ويتحمل أصحاب الدخل المحدود أثرًا أشد، لأن ارتفاع كلفة الاحتياجات الأساسية يضيق المساحة المتاحة لهم للتعليم والعلاج وتحسين ظروف حياتهم.

لهذا تكتسب موثوقية الإمدادات السعودية بُعدًا إنسانيًا إلى جانب قيمتها الاقتصادية. يسهم استمرارها في تخفيف انتقال أزمات المنطقة إلى بقية العالم، ويمنح الأسواق قدرة أكبر على التعامل مع الصدمات. ومن هنا يمكن فهم دور المملكة بوصفها صمام أمان للطاقة، دور يستند إلى قدراتها الإنتاجية والتزاماتها، وتصل نتائجه إلى اقتصادات ومجتمعات تتفاوت في مواردها وقدرتها على تحمل الأزمات.

وتكشف مسيرة التنمية السعودية سببًا عمليًا لهذا الاهتمام باستقرار العالم. توسيع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتنمية الصادرات، وخلق الوظائف، كلها أعمال تحتاج إلى أسواق مفتوحة وطرق تجارة آمنة. الحروب تهدد هذه المصالح، وترفع كلفة تحقيقها، وتستهلك موارد كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والخدمات. لذلك تتصل جهود المملكة في تأمين الطاقة وحماية الملاحة وخفض التصعيد بمشروعها التنموي اتصالًا مباشرًا، فما يحمي فرص التنمية في السعودية يساعد أيضًا على حماية الإنتاج ومعيشة البشر في الدول المرتبطة بها. وفي هذا السياق تأتي حصيلة الرؤية، التي حققت مؤشرات أداء برامجها واستراتيجياتها نحو 93 بالمئة من مستهدفاتها، تعبيرًا عن حجم العمل الذي يحتاج إلى استقرار يحفظ نتائجه ويتيح استمراره.

وفي ذات المسار، تتصل التنمية بالسلام اتصالًا مباشرًا. يحتاج بناء الاقتصاد وتنمية قدرات الشباب إلى الاستقرار، بينما تستهلك الحروب الموارد وتبدد فرص المستقبل. ويقدم التحول السعودي نموذجًا لتوجيه المقدرات نحو البناء، وفتح قطاعات جديدة للعمل والإنتاج، وتوسيع المشاركة في الاقتصاد والثقافة والمعرفة. كما يمنح تنوع الاقتصاد المملكة قدرة أكبر على مواجهة الأزمات ومواصلة التزاماتها، بما يعزز أثرها خارج حدودها عبر الاستثمار والتجارة والطاقة.

غير أن وصول النفط والسلع إلى مستهلكيها يحتاج إلى طرق آمنة. وتكشف أزمات الممرات البحرية مدى الترابط بين أمن المنطقة وحياة العالم. تهديد سفينة أو تعطيل ممر تجاري قد يرفع كلفة الشحن والتأمين، ويؤخر وصول الغذاء والدواء والمواد اللازمة للإنتاج. وتتسع دائرة الضرر لتشمل شعوبًا بعيدة عن أطراف النزاع.

ضمن هذا السياق، أشار سمو ولي العهد في الخطاب الملكي السنوي إلى التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات لحماية المصالح المشتركة في البحر الأحمر، وإلى حلف مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي. وأكد على الجمع بين الحلول الدبلوماسية والحزم في مواجهة التهديدات التي تمس أمن المملكة.

يمكن قراءة هذه التحالفات من خلال الوظيفة التي تؤديها القوة في حماية الاستقرار. الردع يقلل فرص الاعتداء حين يدرك المعتدي كلفته، والتعاون الدفاعي يساعد على تنسيق الاستجابة للمخاطر. وتبقى القيمة العملية لهذه القدرات في نجاحها في حماية المجتمعات، وصون حركة التجارة، وإتاحة مساحة أوسع للدبلوماسية. قوة الدولة، بهذا المعنى، تحمي ما تبنيه التنمية وتحد من احتمالات تبديده في الصراعات.

وتحمل السعودية مسؤولية أخرى تتصل بموقعها في وجدان المسلمين. في الحرمين الشريفين يلتقي القادمون من دول وثقافات متباعدة، تجمعهم العبادة وتتفاوت ظروف حياتهم. ويمنح هذا الاتصال الإنساني الواسع بُعدًا خاصًا لحضور المملكة، إذ يجعل رعاية القاصدين وخدمتهم ممارسة يومية لمسؤولية تتجاوز الجنسية واللغة والمكان.

ومن الممكن النظر إلى مكانة الحرمين والوزن الاقتصادي والدور السياسي بوصفها مصادر متكاملة لهذه المسؤولية. وتظهر قيمتها في السياسات التي تصون حياة الإنسان وكرامته، وتخفف معاناته، وتساعد على إيجاد بيئة يستطيع فيها أن يعمل ويتعلم ويبني مستقبله. بذلك تصبح المكانة الدولية ذات أثر يمكن للناس أن يلمسوه.

وتكتمل هذه القراءة بالموقف من حقوق الشعوب. أكد الخطاب استمرار الالتزام بحقوق الشعب الفلسطيني، بما فيها إقامة دولته المستقلة، ودعم وحدة السودان واستقراره وتجنيب شعبه مآسي الحرب. يضع ذلك السلام في صلته بالعدالة، إذ يحتاج الاستقرار القابل للاستمرار إلى حقوق مصونة، ومؤسسات قادرة على حماية المجتمع، وحلول سياسية تعالج أسباب النزاع.

هذه هي الزاوية التي تمنح الدور السعودي معناه الدولي والإنساني: حماية المصالح الوطنية مع إدراك اتصالها بمصالح الآخرين. أمن الطاقة يرتبط بحياة البشر، وأمن البحار بوصول احتياجاتهم، والتنمية بقدرتهم على العيش الكريم، والسلام بحقهم في مستقبل لا تستهلكه الحروب.

أبعد من برميل النفط، توجد حياة تتأثر بما يجري في هذه المنطقة: عامل يحتاج إلى استمرار مصنعه، وأسرة تحاول ضبط نفقاتها، ومجتمع ينتظر وصول احتياجاته. ومن هذه المسافة يمكن تقدير الدور السعودي، بقدرته على توظيف موارده ومكانته وعلاقاته في بناء استقرار يصل أثره إلى بشر قد لا يتابعون أخبار المملكة كل يوم، لكنهم يعيشون بعض نتائج قراراتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.