: آخر تحديث

آسيا الجديدة بين الهند وباكستان

3
3
2

لم يعد العالم ينظر إلى آسيا بوصفها قارة الأديان والحضارات القديمة فحسب، بل باعتبارها مركزًا جديدًا للقوة الاقتصادية والتقنية والسياسية. وفي قلب هذه القارة تقف الهند وباكستان، دولتان متجاورتان، متشابكتان تاريخيًا وثقافيًا، لكنهما تعيشان منذ عقود في ظل التوتر والصراع. ومن خلال خبرتي الهندسية، التي أتاحت لي العمل في البلدين، رأيت أن آسيا الجديدة لا تُبنى بالجدران والأسلاك الشائكة، بل بالمشروعات المشتركة، والمعرفة، والمياه، والطاقة، واحترام الإنسان.

عملت في الهند مستشارًا هندسيًا لأكبر محطة تحلية مياه في العالم، في جنوب البلاد، بطاقة إنتاجية هائلة. كما عملت في باكستان مستشارًا هندسيًا لمشروع سد مهمند على نهر سوات، وهو من المشروعات الاستراتيجية الكبرى في البلاد. وقد منحتني هذه التجربة فرصة نادرة لأرى البلدين من الداخل، بعيدًا عن الصور النمطية والخطابات السياسية. رأيت مهندسين وعمالًا وموظفين يشتركون في الطموح نفسه: بناء مستقبل أفضل لأسرهم وبلادهم.

حين ننظر إلى الحدود بين الهند وباكستان، تبدو كأنها ندبة طويلة محفورة في جسد آسيا، تمتد من بحر العرب إلى جبال كشمير. إنها حدود محروسة بالأسلاك والجدران والأضواء وأجهزة المراقبة، وتفصل بين شعبين تجمعهما اللغة والتاريخ والطعام والموسيقى والذكريات. وفي معبر واجه، يتحول رفع العلمين أحيانًا إلى مشهد عسكري واستعراضي، يعكس حجم التوتر أكثر مما يعكس حقيقة العلاقة بين الشعبين.

لكن هذه الحدود لم تكن دائمًا بهذه القسوة. فقبل قرن تقريبًا، كانت مناطق واسعة من آسيا مترابطة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا تحت إدارة واحدة. وكانت طرق التجارة والثقافة تمتد من شبه الجزيرة العربية إلى الهند، ومن أفغانستان إلى جنوب شرق آسيا. لم تكن الهويات الوطنية قد تحولت بعد إلى جدران نفسية وسياسية تفصل بين الناس.

ثم جاءت التقسيمات المتتالية، فتمزقت الجغرافيا، وتبدلت الخرائط، وظهرت دول جديدة، ووجدت جماعات كثيرة نفسها فجأة على الجانب الخطأ من الحدود. لم يكن التقسيم مجرد إجراء سياسي، فقد ترك وراءه ملايين المهجرين، وعائلات مقسمة، وذاكرة مليئة بالعنف والخوف. ومع مرور الزمن، تحولت الحدود المؤقتة إلى حقائق دائمة، وتحولت الاختلافات الدينية والسياسية إلى مبررات للتعبئة والعداء.

ومع ذلك، فإن الواقع اليوم أكثر تعقيدًا من الخطابات القومية. فالهند وباكستان تواجهان تحديات متشابهة: النمو السكاني، وأمن المياه، والتغير المناخي، والحاجة إلى الطاقة، وتوفير فرص العمل للشباب، وتطوير المدن والبنية التحتية. وهذه القضايا لا تعرف الحدود. فالنهر الذي يمر في دولة قد تكون مياهه ضرورية لملايين الناس في دولة أخرى، والمناخ الذي يتغير في منطقة يؤثر في الزراعة والصحة والهجرة في المنطقة كلها.

من خلال عملي في مشروعات المياه، أدركت أن الماء يمكن أن يكون سببًا للصراع، لكنه يستطيع أيضًا أن يكون مدخلًا للتعاون. محطة التحلية في جنوب الهند تمثل استجابة هندسية لحاجة إنسانية أساسية، بينما يمثل سد مهمند في باكستان محاولة لتأمين المياه والطاقة وحماية المجتمعات من الفيضانات. وبالرغم من اختلاف طبيعة المشروعين، فإن الهدف واحد: خدمة الإنسان وتحقيق التنمية.

إن آسيا الجديدة تحتاج إلى الانتقال من عقلية الحصار إلى عقلية الشراكة. لا يعني ذلك تجاهل الخلافات السياسية أو الأمنية، بل يعني عدم السماح لها بإلغاء المصالح المشتركة. يمكن البدء بالتعاون في مجالات أقل حساسية، مثل البحث العلمي، ومكافحة الكوارث، وإدارة المياه، والصحة، والتعليم، والتجارة، ثم بناء الثقة تدريجيًا.

لقد أثبتت خبرتي أن المهندس الذي يعمل في الهند أو باكستان يواجه في جوهره التحديات نفسها: طبيعة صعبة، وموارد محدودة، وميزانيات تحتاج إلى الانضباط، ومجتمعات تنتظر نتائج ملموسة. وفي مواقع العمل، لا يكون السؤال الأول عن الدين أو الجنسية، بل عن سلامة المشروع، وجودة التصميم، ودقة التنفيذ، وموعد إنجاز العمل.

هذه هي آسيا الجديدة التي أراها: آسيا لا تنكر تاريخها، لكنها لا تبقى أسيرة له، آسيا تحافظ على هوياتها، لكنها لا تجعلها أدوات للكراهية، آسيا تستثمر في المياه والطاقة والمعرفة بدلاً من استنزاف مواردها في الصراعات.

قد تبقى الحدود قائمة، وقد تستمر الخلافات السياسية، لكن الأجيال الجديدة قادرة على بناء جسور تتجاوز تلك الحدود. فالمستقبل لن يكون لمن يرفع أعلى جدار، بل لمن ينجح في تحويل الجغرافيا المشتركة إلى فرصة مشتركة. ربما لا نستطيع تغيير الماضي، لكننا نستطيع أن نقرر ألا نكرر أخطاءه.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.