: آخر تحديث

أنت لست ابن الساعة بل الشاهد عليها

2
3
3

منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم، وهو يعيش أسير أكبر وهمٍ عرفته البشرية: أنه كائنٌ محبوس داخل الزمان والمكان!

يعرّف نفسه بعمره، ويقيس قيمته بعدد السنوات التي عاشها، ويظن أن عنوان منزله يختصر وجوده، وأن الجغرافيا التي وُلد فيها هي حدوده النهائية. ولكن ماذا لو كان كل ذلك مجرد إطار، لا الحقيقة نفسها؟

الزمن يتغير بلا توقف، الأمس أصبح ذكرى، واليوم يتحول إلى ماضٍ في كل ثانية، والغد لا يزال احتمالًا، والمكان أيضًا لا يثبت، تسافر من مدينة إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى، وتتبدل الإحداثيات، بينما يبقى شيء واحد لا يتبدل: أنت الذي يدرك هذا التغيّر!

هنا يبدأ السؤال الذي يخشاه العقل: إذا كان الزمن يتغير، فمن الذي يشهد تغيّره؟ وإذا كان المكان يتبدل، فمن الذي يعرف أنه انتقل من هنا إلى هناك؟

ذلك الشاهد لا يمكن أن يكون جزءًا مما يشهده، قبل أن تقول: مرّت ساعة، كان لا بد أن يوجد وعيٌ أدرك مرورها. وقبل أن تقول: أنا في هذا المكان، كان لا بد أن يوجد إدراكٌ سبق المكان نفسه. فالوعي ليس ابن الزمن، بل الزمن لا يصبح زمنًا إلا عندما يمر عبر بوابة الوعي.

العقل يحب القياس، ولذلك اخترع الساعات والتقاويم والخرائط. أما الوعي فلا يحتاج إلى ساعة ليعرف أنه حاضر، ولا إلى خريطة ليعرف أنه موجود.

ولعل أخطر ما فعلته الحضارة الحديثة أنها أقنعت الإنسان بأنه مجرد رقم في سجلّ مدني، أو تاريخ ميلاد في جواز سفر، أو موقع تحدده الأقمار الصناعية. اختزلت وجوده إلى بيانات، بينما بقي السؤال الحقيقي بلا إجابة: من الذي يقرأ هذه البيانات أصلًا؟

الجسد يولد ويكبر ويشيخ ثم يرحل، وهذه حقيقة بيولوجية لا جدال فيها، والعقل يتغير كذلك، ينسى بعد أن كان يحفظ، ويتعلم بعد أن كان يجهل، ويتبدل رأيه مع الخبرة والتجربة.

لكن هناك شيئًا آخر لا يشيخ بالطريقة نفسها، ولا يتبدل مع كل فكرة، ولا يختفي مع كل ذكرى. إنه ذلك الحضور الصامت الذي يشاهد كل شيء دون أن يكون هو ذلك الشيء.

لهذا أرى أن الإنسان أمضى آلاف السنين يدرس الكون، بينما نادرًا ما توقف ليدرس من الذي يشاهد الكون.

وربما لهذا السبب أصبحنا نعرف عدد المجرات أكثر مما نعرف حقيقة أنفسنا!

اليوم، ومع دخول عصر الذكاء الاصطناعي، سيصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالآلة قد تتعلم، وتحلل، وتكتب، وتتحدث، وربما تتفوق على الإنسان في آلاف المهام. لكنها تظل تعمل داخل الزمن، وفق معادلات وبيانات وتسلسل منطقي.

أما الوعي الإنساني، فهو التجربة التي تجعل لكل تلك البيانات معنى.

يمكن للآلة أن تحسب مرور مليون سنة في ثانية، لكنها لا (تشعر) بمرور ثانية واحدة كما يعيشها الإنسان. وهذا الفرق ليس فرقًا في سرعة المعالجة، بل في طبيعة الوجود نفسه.

لذلك فإن معركة المستقبل لن تكون فقط بين الإنسان والآلة، بل بين من يظن أنه مجرد كائن بيولوجي يعيش داخل الزمن، ومن يدرك أن الزمن نفسه أحد الأشياء التي يلاحظها وعيه.

عندما تفهم هذه الفكرة، ستتغير علاقتك بالخوف، وبالعمر، وبالفشل، وحتى بالموت. ستدرك أن كثيرًا مما يقلقك ليس إلا أحداثًا تعبر أمامك، بينما أنت لست الحدث، بل الشاهد عليه.

لهذا، لا تجعل الساعة تُعرّفك، ولا تجعل الجغرافيا تحاصرك، ولا تجعل الماضي يسجنك، ولا المستقبل يبتزك. فكلها تتغير، أما قيمتك الحقيقية فلا تُقاس بعقارب ساعة، ولا تُختزل في نقطة على خريطة.

فالذي يأتي ويذهب ليس أنت، أنت من يعرف المجيء والذهاب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.