: آخر تحديث
تنهض أممٌ من الصفر وتتعثر أخرى فوق الثروات؟

لا نهاية لنهوض الأمم

4
4
4

حين نتأمل خريطة العالم، نميل إلى طرح السؤال الخطأ: ماذا تملك هذه الدولة؟ نفط؟ غاز؟ معادن؟ موانئ؟ موقع استراتيجي؟ ولكن التاريخ لا يكتب مكانة الأمم بقائمة ما تملكه، وإنما بما تفعله بما تملك. فكم من دولة جلست فوق ثروات هائلة ولم تستطع أن تصنع منها مستقبلًا، وكم من دولة بدأت بموارد محدودة، لكنها امتلكت ما هو أكثر أهمية: القدرة على تحويل الإمكانات إلى قوة.

الثروة تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تضمن لها النهضة. والموقع يفتح الطريق، لكنه لا يضمن الوصول. والمال يستطيع أن يبني مدينة، لكنه لا يبني وحده إنسانًا قادرًا على صناعة المستقبل. من هنا يبدأ السؤال الحقيقي: كيف استطاعت أمم أن تغيّر موقعها في العالم، بينما بقيت أمم أخرى عاجزة عن تحويل ما لديها إلى قوة حقيقية؟ ربما لأن النهضة ليست مسألة موارد بقدر ما هي مسألة رؤية وإدارة وإنسان.

انظر إلى هولندا. بلد صغير في المساحة، لكنه لم ينظر إلى موقعه الجغرافي باعتباره حقيقة ثابتة، بل باعتباره فرصة قابلة للتحويل. حوّلت الموانئ والتجارة والربط البحري واللوجستيات موقعها إلى شبكة اقتصادية تتجاوز حدودها. هنا لا يعود البحر مجرد جغرافيا، يصبح اقتصادًا. ولا يعود الموقع مجرد نقطة على الخريطة، يصبح نفوذًا. وهذه إحدى أهم قواعد القوة في عالم اليوم: ليست الميزة في أن تقع الدولة في المكان الصحيح فقط، بل في أن تعرف كيف تجعل هذا المكان جزءًا من حركة العالم.

وفي فيتنام، نجد قصة مختلفة. دولة عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الحرب، ثم بدأت، عبر تحولات اقتصادية متدرجة، في إعادة بناء موقعها داخل الاقتصاد العالمي. لم تنتظر أن تتغير الخريطة من أجلها، بل غيّرت موقعها داخل الخريطة. استفادت من موقعها، ومن قواها العاملة، ومن التصنيع، ومن تدفقات الاستثمار والتجارة، وبدأت تتحول إلى جزء مهم من سلاسل الإنتاج العالمية. وهنا درس آخر: الدول لا تصنع مستقبلها فقط بما تنتجه، بل بالمكان الذي تختار أن تكون فيه داخل الاقتصاد العالمي.

أما كوريا الجنوبية، فتقدم درسًا مختلفًا تمامًا. بلد خرج من حرب مدمرة وظروف اقتصادية صعبة، لكنه لم يتعامل مع الفقر باعتباره قدرًا دائمًا. كان الاستثمار في التعليم والصناعة والبحث والتطوير وبناء القدرات البشرية جزءًا من عملية تحول طويلة، صنعت اقتصادًا قائمًا على المعرفة والتكنولوجيا والإنتاج. وهنا تتضح قاعدة لعلّها الأهم: حين لا تملك الأمة ما يكفي من الموارد، تستطيع أن تبني موردها الأهم: الإنسان.

ثلاث دول، ثلاثة مسارات. هولندا جعلت من الموقع قوة، فيتنام جعلت من إعادة التموضع الاقتصادي فرصة، وكوريا الجنوبية جعلت من الإنسان والمعرفة قاعدة للصناعة والتكنولوجيا. لكن ماذا لو اجتمعت هذه العناصر في دولة تمتلك في الوقت نفسه ثروة هائلة، وموقعًا استراتيجيًا، وقوة بشرية شابة، وطموحًا لإعادة تعريف مكانها في العالم؟

هنا تصبح السعودية تجربة تستحق التأمل. ليس لأنها تمتلك النفط، بل لأنها تواجه السؤال الذي يواجه كل دولة غنية بالموارد: ماذا ستفعل بثروتها حين يصبح المستقبل أقل اعتمادًا على المصدر الذي صنع ثروتها؟ مع رؤية 2030، بدأت السعودية في مسار واسع لإعادة تعريف اقتصادها ومجتمعها وموقعها في العالم، من خلال تنويع الاقتصاد، والاستثمار في قطاعات جديدة، وتوسيع حضور السياحة والتقنية والابتكار وريادة الأعمال، وتعزيز موقعها في التجارة واللوجستيات.

لكن جوهر التحول لا يكمن في عدد المشاريع التي تُبنى. فالمدن يمكن أن ترتفع بسرعة، أما بناء الإنسان والمؤسسات والمعرفة والقدرة على الاستمرار، فهو اختبار أطول. ولهذا فإن السؤال الأعمق خلف مشاريع مثل نيوم والقدية وغيرها ليس: كم ستبلغ كلفتها؟ بل: أي اقتصاد، وأي إنسان، وأي مكانة دولية يمكن أن تنتج عنها؟

ذلك أن التحول الحقيقي يحدث عندما تتغير علاقة الإنسان بالفرصة. عندما لا يعود المستقبل وظيفة ينتظرها، بل مساحة يصنعها. وعندما لا تصبح التكنولوجيا مجرد أداة للاستهلاك، بل وسيلة للإنتاج والابتكار. وعندما تتحول الثروة من مورد يُستهلك إلى رأس مال يُستثمر في المستقبل.

السعودية، في هذا المعنى، لا تختبر فقط قدرتها على تنويع اقتصادها. إنها تختبر قدرتها على إعادة تعريف الدولة الغنية بالموارد في القرن الحادي والعشرين. وهنا تلتقي تجربتها مع تجارب دول مختلفة، من دون أن تكون نسخة عن أي منها. هولندا تقول إن الموقع يمكن أن يتحول إلى قوة. فيتنام تقول إن الدولة تستطيع أن تعيد تموضعها داخل الاقتصاد العالمي. كوريا الجنوبية تقول إن الإنسان والمعرفة يستطيعان صناعة اقتصاد يتجاوز محدودية الموارد.

أما السعودية، فلديها فرصة مختلفة: أن تجمع بين المورد والموقع والإنسان والرؤية، وأن تحول هذه العناصر من إمكانات منفصلة إلى قوة متكاملة. وهنا تحديدًا يصبح التحول أهم من الثروة. لأن الدولة التي تعرف كيف تستخدم ثروتها تستطيع أن تنمو. أما الدولة التي تعرف كيف تستخدم ثروتها لبناء ما يأتي بعد الثروة، فهي التي تصنع مستقبلها.

ولهذا فإن "معجزة الصحراء" ليست فقط في أن تتحول الرمال إلى مدن، أو أن تظهر مشاريع ضخمة على الخريطة. المعجزة الأعمق هي في السؤال الذي يقف خلفه كل هذه التحولات: هل تستطيع أمة أن تعيد كتابة مكانها في العالم قبل أن يكتب العالم مكانها؟

هذا هو الاختبار الحقيقي. فالمستقبل لا يُمنح للأمم، ولا ينتظرها عند نهاية الطريق. إنه مساحة مفتوحة لمن يمتلك الرؤية، ويعرف كيف يحول الإمكان إلى إنجاز، والثروة إلى معرفة، والموقع إلى قوة، والطموح إلى مشروع. وفي النهاية، لا تنهض الأمم بما تملكه فقط، بل بما تستطيع أن تفعله بما تملك. ولهذا تحديدًا، لا نهاية لنهوض الأمم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.