ليست المعضلة الإيرانية اليوم في وجود معارضة للنظام، ولا في اتساع دوائر السخط على سياساته، بل في سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا بعد؟ وهل يمتلك الإيرانيون، في ظل الأزمات المتراكمة وتآكل الثقة بالسلطة، فرصة حقيقية للتعرف إلى بدائل سياسية قادرة على المنافسة وتقديم مشروع مختلف لمستقبل البلاد؟
هذا السؤال، على أهميته، لا يحظى دائمًا بالمكانة التي يستحقها في النقاش الدولي حول إيران. فكثيرًا ما ينصب الاهتمام على العقوبات والضغوط الدبلوماسية ومحاولات احتواء سياسات طهران، فيما تبقى مسألة البديل السياسي مؤجلة، وكأن إضعاف النظام غاية مكتملة بذاتها، لا خطوة تقتضي التفكير في اليوم التالي.
غير أن تجارب التحولات السياسية في العالم تقدم درسًا واضحًا: سقوط الأنظمة أو تراجعها لا يضمن، في حد ذاته، قيام بدائل ديمقراطية مستقرة. وحين تغيب القوى المنظمة، أو تحرم من فرصة عرض مشاريعها والتواصل مع المجتمع، يصبح الفراغ السياسي احتمالًا قائمًا، مهما كانت أسباب الأزمة الأصلية واضحة.
من هنا تبرز أهمية إعادة النظر في موقع منظمة مجاهدي خلق الإيرانية ضمن النقاش المتعلق بمستقبل البلاد. فهذه المنظمة تمتلك تاريخًا سياسيًا يمتد لعقود، وبنية تنظيمية، وشبكات علاقات خارج إيران، كما أنها حاضرة في الخطاب السياسي المتعلق بمواجهة نظام الجمهورية الإسلامية. وهذه المعطيات تجعل من الصعب تناول ملف المعارضة الإيرانية من دون التطرق إلى تجربتها، بصرف النظر عن المواقف المؤيدة لها أو المتحفظة عليها.
لكن الاعتراف بوجود تنظيم سياسي ذي خبرة متراكمة لا يعني التسليم تلقائيًا بقدرته على تمثيل المجتمع الإيراني، ولا يمنحه حقًا حصريًا في تحديد مستقبل البلاد. فالتاريخ التنظيمي، مهما طال، ليس بديلاً عن الشرعية الشعبية، والقدرة على الاستمرار ليست وحدها دليلاً على القدرة على الحكم.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يتغير النقاش: ليس المطلوب تنصيب مجاهدي خلق، ولا منحها صكًا سياسيًا مفتوحًا، وإنما إتاحة المجال أمامها لتقديم مشروعها ومناقشته، ومواجهة الأسئلة المتعلقة بتاريخها وبرنامجها، والتنافس مع سائر القوى الإيرانية في مناخ سياسي تعددي. فالاختبار الحقيقي لأي معارضة لا يكون بما تعلنه عن نفسها، بل بقدرتها على إقناع المواطنين، واحترام التعدد، وقبول الاحتكام إلى إرادة الشعب.
من الضغط على النظام إلى الاستثمار في البديل
إن الاقتصار على أدوات الضغط الخارجي يترك سؤال المستقبل معلقًا. فالعقوبات، مهما بلغت شدتها، لا تصنع وحدها مؤسسات ديمقراطية، والعزلة الدولية لا تنتج بالضرورة قيادة سياسية تحظى بثقة المواطنين. وإذا كان الهدف هو مساعدة الإيرانيين على تقرير مصيرهم، فإن من المنطقي أن يترافق التعامل مع السلطة القائمة مع اهتمام جاد بالبيئة السياسية التي يمكن أن تنشأ بعدها.
وهذا يقتضي التمييز بين دعم حق المعارضة في العمل السياسي وبين تبني برنامج تنظيم بعينه. فالمجتمع الدولي ليس مطالبًا باختيار الحاكم المقبل لإيران، كما أنه ليس من مصلحته أن يغلق المجال أمام قوى معارضة لمجرد الاختلاف معها أو التحفظ على بعض جوانب تجربتها. المطلوب هو توفير مساحة سياسية تسمح للإيرانيين بالتعرف إلى الخيارات المتاحة، ومساءلة أصحابها، والمفاضلة بينها بحرية.
وفي هذا الإطار، لا ينبغي التعامل مع منظمة مجاهدي خلق باعتبارها استثناء من قواعد المساءلة التي يجب أن تنطبق على جميع القوى السياسية. فإذا كانت المنظمة تطرح نفسها بديلاً للنظام القائم، فإن من حق الإيرانيين أن يعرفوا تفاصيل مشروعها، وضماناتها بشأن الحريات العامة، والتعددية السياسية، وحقوق المرأة، واستقلال القضاء، وتداول السلطة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع. كما أن من حقهم مناقشة تاريخها ومواقفها وتقييم مدى انسجام خطابها مع الممارسة التي تعد بها.
إن طرح هذه الأسئلة لا يضعف فكرة إتاحة المجال أمام المنظمة، بل يمنحها مضمونًا سياسيًا جديًا. فالمعارضة التي تطالب بإنهاء احتكار السلطة لا تستطيع أن تكتسب شرعيتها بمجرد معارضة النظام، بل عليها أن تثبت أنها تقدم بديلاً يضمن عدم إعادة إنتاج الاحتكار بصيغ مختلفة.
الشرعية لا تمنح من الخارج
قد تختلف المواقف من مجاهدي خلق داخل إيران وخارجها، وقد تثير تجربتها خلافات سياسية وتاريخية. لكن تحويل هذه الخلافات إلى مبرر دائم لاستبعادها من النقاش لا يحل معضلة البديل، مثلما أن تجاهل الأسئلة المثارة حولها لا يخدم مصداقية أي مشروع سياسي يسعى إلى اكتساب ثقة الإيرانيين.
المعيار الأكثر اتزانًا هو أن تكون الساحة مفتوحة أمام القوى المعارضة، وأن تخضع جميعها لقواعد واضحة، وأن تكون الكلمة الأخيرة للمواطنين الإيرانيين، لا للحكومات الأجنبية ولا للتنظيمات التي تتحدث باسمهم.
فإيران ليست ملكًا للنظام، وليست ملكًا لأي حزب أو منظمة معارضة. ومستقبلها ينبغي ألا يحسم عبر تفاهمات خارجية تتجاهل إرادة شعبها، ولا عبر ادعاء أي طرف امتلاك تفويض لم يمنحه الإيرانيون بأنفسهم.
إن فتح الأبواب أمام المعارضة المنظمة ليس قرارًا بتتويج طرف بعينه، بل خطوة نحو كسر احتكار المجال السياسي، وإعادة الاعتبار إلى حق الإيرانيين في الاختيار. وفي هذا السياق، تستحق تجربة مجاهدي خلق أن تناقش علنًا، وأن تقيم على أساس برنامجها وقدرتها على الإقناع، لا أن تمنح حصانة من النقد أو تحرم مسبقًا من حق المنافسة.
لقد آن الأوان للانتقال من سؤال كيفية ممارسة الضغط على النظام الإيراني إلى سؤال أكثر اتصالًا بمستقبل البلاد: كيف يمكن ضمان وجود خيارات سياسية حقيقية أمام الإيرانيين؟
فالتغيير الذي لا يفتح الطريق أمام الحرية والتعددية يظل ناقصًا، والبديل الذي لا يستمد شرعيته من الشعب لا يستطيع الادعاء بأنه يمثل تطلعاته.
افتحوا الباب أمام البديل، لا لتحديد من سيحكم إيران، بل لكي يمتلك الإيرانيون أخيرًا حق اختيار من يحكمهم.


