اندلعت حرب تشرين الأول (أكتوبر) في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1973، الموافق العاشر من رمضان 1393هـ، بهجوم مصري وسوري مفاجئ على القوات الإسرائيلية في سيناء والجولان. كان الهدف المصري أولًا استعادة جزء من سيناء، "في الوقت الذي رفض الرئيس المصري جمال عبد الناصر مقترحات أميركية وعروضًا إسرائيلية لإعادة شبه جزيرة سيناء بالكامل مقابل التخلي عن الالتزامات العربية والقومية، وفك الارتباط بالقضية الفلسطينية وباقي الأراضي العربية المحتلة (مثل الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان)، وعقد صلح منفرد بين مصر وإسرائيل"، وثانيًا كسر الجمود السياسي، وثالثًا الهدف الأميركي فتح قناة السويس للملاحة، والهدف الإسرائيلي كان إقامة صلح منفرد مع إسرائيل.
بينما أرادت سورية استعادة الجولان الذي احتلته إسرائيل في حرب حزيران (يونيو) 1967. وقد تحولت الحرب من نجاح عربي كبير في بدايتها إلى معارك استنزاف وهجوم إسرائيلي مضاد، انتهت بوقف إطلاق النار في أواخر تشرين الأول (أكتوبر)، وبعدها زيارة القدس واتفاقية كامب ديفيد.
وللتاريخ نستذكر القيادة العسكرية في الدول المختلفة.
أولًا: مصر
كان الرئيس أنور السادات القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزير الحربية، وكان القائد العام الفريق أول أحمد إسماعيل علي، بينما كان رئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي. كما لعب الفريق محمد عبد الغني الجمسي دورًا مهمًا في إدارة العمليات، وقاد الفريق محمد علي فهمي قوات الدفاع الجوي، وكان المشير أحمد إسماعيل هو صاحب القرار السياسي-العسكري النهائي.
اعتمدت الخطة المصرية على عبور قناة السويس، واقتحام خط بارليف، ثم التوقف في عمق محدود داخل سيناء تحت حماية شبكة الصواريخ المصرية، بدلاً من التقدم العميق الذي كان سيخرج القوات من مظلة الدفاع الجوي.
في الساعات الأولى، عبرت مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين إلى جوار جنود مصريين القناة للتأكد من أنه لا توجد قنابل نابالم في القناة، وبعد التأكد من خلوها عبر نحو عشرات الآلاف من الجنود المصريين القناة، ودُمرت نقاط عديدة من خط بارليف، وأُقيمت الكباري، وأُنشئت رؤوس جسور على الضفة الشرقية. وكان ذلك أهم نجاح عسكري عربي منذ هزيمة عام 1948 والأسلحة الفاسدة.
ثانيًا: سورية
كان الرئيس السوري حافظ الأسد القائد الأعلى، ووزير الدفاع اللواء مصطفى طلاس، ورئيس الأركان اللواء حكمت الشهابي. هاجمت القوات السورية الجولان بقوة مدرعة كبيرة، وحققت تقدمًا أوليًا، واستعادت مواقع مهمة، لكنها واجهت تعبئة إسرائيلية سريعة، ثم بدأ الجيش الإسرائيلي هجومًا مضادًا دفع القوات السورية إلى التراجع، قبل أن تتدخل العراق والأردن ودول عربية أخرى لمساندتها.
ثالثًا: العراق
أرسل العراق قوات مدرعة وجوية إلى الجبهة السورية، وكان وجودها مهمًا في وقف التقدم الإسرائيلي باتجاه دمشق. لم تبدأ القوات العراقية الحرب من اليوم الأول، لكنها وصلت تباعًا إلى سورية، وشاركت في المعارك البرية والجوية. كان دورها "تعزيز الجبهة السورية" ومنع الجيش الإسرائيلي من التقدم نحو دمشق، وبالتالي دوره كان أكثر من تنفيذ عملية مستقلة.
رابعًا: الأردن
لم يدخل الأردن الحرب بهجوم شامل كما حدث عام 1967 وأدى في حينها إلى سقوط الضفة الغربية في يد إسرائيل، لكنه أرسل اللواء المدرع الأربعين إلى الجبهة السورية، بقيادة اللواء الركن خالد هجهوج المجالي، وشارك في القتال ضد القوات الإسرائيلية على الجولان. كان قرار الملك حسين محسوبًا، إذ أراد مساندة سورية دون فتح جبهة أردنية جديدة قد تعرض الأردن لخسائر كبيرة. وتذكر القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية أن اللواء الأربعين تحرك إلى الجبهة السورية في منتصف تشرين الأول (أكتوبر) وشارك في القتال هناك.
وبالنظر إلى وثائق المعارك والخرائط الحربية نجد بطولة دور الجيش المصري، والذي حقق أهدافه الأساسية في المرحلة الأولى:
- عبور قناة السويس في عدة مناطق.
- إسقاط أجزاء كبيرة من خط بارليف.
- إنشاء خمسة رؤوس جسور تقريبًا على الضفة الشرقية.
- إلحاق خسائر جسيمة بالقوات الإسرائيلية.
- تحييد التفوق الجوي الإسرائيلي بواسطة الدفاع الجوي والصواريخ المحمولة.
لكن الخطة المصرية لم تكن تهدف في أصلها إلى تحرير سيناء كلها خلال أيام، بل إلى احتلال شريط محدود شرق القناة، ثم استخدام الإنجاز العسكري للدخول في حلقة جديدة من إنهاء الصراع والاتفاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل على التفاوض، وهو ما كان مرفوضًا من الفريق سعد الدين الشاذلي الذي أراد إنهاء أسطورة إسرائيل للأبد بالقضاء على سلاح المدرعات والدبابات الإسرائيلية في موقع الثغرة.
وهنا نجد أن دور الجيش السوري والعراقي والأردني قد أجبر إسرائيل على نقل قوات كبيرة من سيناء إلى الجولان، وهو ما خفف الضغط عن الجبهة المصرية في الأيام الأولى. إلا أن الهجوم السوري فقد زخمه بعد وصول الاحتياط الإسرائيلي، وبدأت إسرائيل في التقدم داخل الأراضي السورية.
أما القوات العراقية، فقد وصلت إلى سورية وشاركت في صد الهجوم الإسرائيلي. كما ساهمت القوات الأردنية، وخاصة اللواء المدرع الأربعين، في دعم الجبهة السورية. ولم تكن هذه القوات تحت قيادة عربية موحدة بالكامل، بل عملت ضمن ترتيبات الجبهة السورية وتحت قيادة عملياتها المحلية.
ما هي ثغرة الدفرسوار وكيف حدثت؟
بدأت إسرائيل في ليلة 15-16 من تشرين الأول (أكتوبر) 1973 عملية للعبور إلى غرب القناة قرب منطقة الدفرسوار في وسط القناة، مستفيدة من فجوة بين الجيشين الثاني والثالث المصريين نتيجة أمر من الرئيس السادات بتطوير الهجوم شرقًا نحو المضايق في 14 تشرين الأول (أكتوبر)، وهو ما عارضه الفريق الشاذلي قبل تأمين القوات المصرية، وكان ذلك الخلاف الأول. وسُمّيت العملية في الأدبيات العربية بـ"الثغرة"، وأطلقت عليها إسرائيل عملية "أبيري-ليف"، وقادها أريئيل شارون.
لم تكن الثغرة انهيارًا فوريًا للجبهة المصرية، لكنها سمحت للقوات الإسرائيلية بإنشاء جسر غرب القناة، ثم دفع قوات مدرعة إلى الضفة الغربية. وبذلك أصبحت إسرائيل تهدد خطوط إمداد الجيش الثالث الميداني، الذي كان جزء كبير منه شرق القناة.
كان الخلاف الثاني بين الشاذلي والسادات يتمحور حول كيفية التعامل مع الثغرة. رأى الشاذلي أن الحل العسكري الأفضل هو "سحب جزء من القوات المدرعة المصرية من شرق القناة إلى غربها" لمهاجمة القوات الإسرائيلية وإغلاق الثغرة. أما السادات والقيادة العامة فخشوا أن يؤدي ذلك إلى إضعاف القوات الموجودة شرق القناة، واعتبروا أن الهجوم المضاد يمكن تنفيذه دون التخلي عن المكاسب السياسية والعسكرية التي تحققت هناك.
يرى الشاذلي في مذكراته أن بقاء القوات المصرية شرق القناة مع وجود قوات إسرائيلية غربها جعل الجيش الثالث معرضًا للحصار. بينما رأت القيادة السياسية أن أي انسحاب كبير قد يُفسَّر باعتباره تراجعًا عن إنجاز العبور. وبالتالي أدت التدخلات السياسية في القرارات العسكرية إلى اتساع حجم المشكلة وإيجاد منطقة فاصلة وضعيفة بين الجيشين الثاني والثالث الميداني.
ومع زحف القوات الإسرائيلية نحو القاهرة، لا بد من سؤال عسكري: كم كانت القوات الإسرائيلية تبعد عن القاهرة؟
وهنا يجب التمييز بين رقمين:
- وصلت القوات الإسرائيلية إلى منطقة الدفرسوار غرب قناة السويس، على مسافة تقارب خمسين كيلومترًا من القاهرة وفق بعض التقديرات العسكرية الإسرائيلية.
- أما "مفاوضات الكيلو 101" فسُمّيت بهذا الاسم لأن موقعها كان عند العلامة الكيلومترية 101 على طريق القاهرة–السويس، أي إن القوات الإسرائيلية كانت، في ذلك الموضع، على بعد نحو 101 كيلومتر من القاهرة، وليس كما ادعت أنها على بعد خمسين كيلومترًا.
لذلك فإن القول إن القوات الإسرائيلية كانت "على بعد 101 كيلومتر من القاهرة" صحيح ويرتبط بموقع الكيلو 101، وليس بالضرورة بأقرب نقطة وصلت إليها كل الوحدات الإسرائيلية. وقد وصفت تقارير أميركية وصور الأقمار الصناعية القوات الإسرائيلية بأنها عبرت القناة ووصلت إلى مسافة تقارب 30 ميلًا من القاهرة، أي نحو 48 كيلومترًا، وهو ما يتطابق مع ما ادعته إسرائيل من 50 كيلومترًا عن مدينة القاهرة.
لكن لماذا جرت مفاوضات الكيلو 101؟
جاءت مفاوضات الكيلو 101 بعد قرار مجلس الأمن رقم 338 ووقف إطلاق النار، لكنها لم تكن مفاوضات سلام شاملة. كان هدفها المباشر:
- تثبيت وقف إطلاق النار وعدم السماح لإسرائيل بالتقدم نحو القاهرة.
- منع تدمير الجيش الثالث المصري أو استسلامه.
- السماح بإيصال الغذاء والدواء والوقود إلى القوات المحاصرة.
- تنظيم تبادل الأسرى.
- الاتفاق على فصل القوات.
- تمهيد الطريق لاتفاق فض الاشتباك بين مصر وإسرائيل.
بدأت الاتصالات العسكرية في أواخر تشرين الأول (أكتوبر)، ثم عُقدت المحادثات رسميًا في منطقة الكيلو 101 على طريق القاهرة–السويس. وترأس الجانب المصري الفريق محمد عبد الغني الجمسي، والجانب الإسرائيلي الجنرال أهارون ياريف. وانتهت المحادثات إلى اتفاق فض الاشتباك الأول بين مصر وإسرائيل في كانون الثاني (يناير) 1974.
وهنا يتساءل العسكريون والسياسيون أيضًا: لماذا قبل السادات وقف إطلاق النار واختلف مع الشاذلي؟
لم يكن الخلاف مجرد خلاف شخصي، بل كان اختلافًا في تقدير الموقف العسكري والسياسي.
موقف الفريق الشاذلي
كان الشاذلي يرى أن الوضع العسكري أصبح خطيرًا بسبب:
- عبور القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة.
- تهديد خطوط إمداد الجيش الثالث وتهديد بالوصول إلى القاهرة.
- اتساع الفجوة بين القوات المصرية شرق القناة والقوات الإسرائيلية غربها.
- احتمال تحول الحصار إلى كارثة إذا استمر القتال دون إعادة تنظيم الجبهة.
لذلك طالب بإعادة انتشار قوات مدرعة من الشرق إلى الغرب لضرب القوات الإسرائيلية وإغلاق الثغرة.
موقف السادات
أما السادات فقبل وقف إطلاق النار للأسباب التالية:
- "تحقيق الهدف السياسي الأساسي": فقد نجح الجيش المصري في عبور القناة وكسر أسطورة التفوق الإسرائيلي المطلق.
- "الخوف على الجيش الثالث": كان استمرار القتال قد يؤدي إلى حصاره أو تدميره.
- "الضغط الأميركي والسوفيتي": تدخلت القوتان العظميان لمنع انهيار وقف إطلاق النار وتحول الحرب إلى مواجهة أوسع.
- "التفوق الإسرائيلي في العمق العملياتي": كانت إسرائيل قد نقلت قوات إلى غرب القناة، وأصبح استمرار الحرب مخاطرة كبيرة، ووصل الجيش الإسرائيلي إلى مسافة تبعد عن القاهرة 50 كيلومترًا.
- "الرغبة في نقل المعركة إلى المجال الدبلوماسي": أراد السادات استخدام الإنجاز العسكري لفتح مفاوضات تؤدي لاحقًا إلى استعادة سيناء.
وفي المقابل، اعتبر الشاذلي أن قبول وقف إطلاق النار قبل معالجة الثغرة أضاع فرصة عسكرية أفضل كان بإمكان الجيش المصري إبادة سلاح الدبابات الإسرائيلي للأبد وفتح الطريق لتحرير فلسطين. وبعد الحرب أُبعد عن منصبه، ثم غادر مصر، وأصبح نقده لإدارة السادات للمرحلة الأخيرة من الحرب جزءًا أساسيًا من الجدل التاريخي حول الثغرة.
الخسائر العسكرية
الأرقام تختلف بسبب اختلاف تعريف "الخسائر" بين القتلى والجرحى والمفقودين والأسرى، وبسبب عدم نشر الدول العربية أرقامًا موحدة. لكن الأرقام الأكثر تداولًا تقارب الآتي:
| الطرف | الخسائر التقريبية |
| إسرائيل | نحو 2300 إلى 2700 قتيل، وأكثر من 7000 جريح، ونحو 300 أسير أو مفقود |
| مصر | أكثر من 10000 قتيل، مع عشرات الآلاف من الجرحى وفق تقديرات غربية |
| سورية | نحو 3000 إلى 4000 قتيل، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى |
| العراق | مئات القتلى والجرحى، مع اختلاف كبير بين المصادر |
| الأردن | خسائر محدودة نسبيًا مقارنة بمصر وسورية، لأن مشاركته اقتصرت أساسًا على الجبهة السورية |
أعلنت إسرائيل في سجلاتها الرسمية أرقامًا تقارب 2689 قتيلًا و7251 جريحًا و301 أسير و16 مفقودًا، مع اختلاف الرقم عن مصادر إسرائيلية أخرى. أما الخسائر العربية فالتقديرات أكثر تباينًا، ويشير أحد التقديرات العسكرية الأميركية إلى أن الخسائر المصرية تجاوزت عشرة آلاف، وأن الخسائر السورية كانت أقل من ذلك، بينما كانت الخسائر العراقية والأردنية محدودة نسبيًا.
وأقصد أنها كانت حرب تشرين الأول (أكتوبر) "نجاحًا مصريًا وعربيًا في مرحلتها الأولى"، لأنها أعادت بناء الثقة العسكرية العربية، وكسرت خط بارليف، وأجبرت إسرائيل على التخلي عن فكرة أن الأراضي المحتلة يمكن الاحتفاظ بها بلا ثمن. لكنها انتهت عسكريًا بوضع معقد: فقدت سورية مواقع مهمة، وعبرت إسرائيل إلى غرب القناة، وحُوصر الجيش الثالث المصري، وبات الطريق مفتوحًا إلى القاهرة.
لذلك يمكن وصف النتيجة بأنها نجاح استراتيجي مصري جزئي، ونجاح تكتيكي إسرائيلي في المرحلة الأخيرة، وحرب عالية الكلفة لجميع الأطراف. أما خلاف السادات والشاذلي فكان أساسه: هل تُعالج الثغرة بانسحاب وإعادة انتشار خطرة، أم يُقبل وقف إطلاق النار للحفاظ على إنجاز العبور ومنع تحول الحصار إلى هزيمة شاملة؟
وفي خضم كل ذلك يظل "الملاك" الذي أعلم إسرائيل بموعد المعركة والهجوم أنه 6 مساءً عوضًا عن الثانية من السادس من تشرين الأول (أكتوبر) لغزًا بلا حل أو دليل، وتمت التغطية عليه بإلقائه من شرفة منزله في لندن وادعاء انتحاره وسقوطه ليغلق باب أشرف مروان، الذي كان يكتب مذكراته، والتي فقدت معه دون أن يُعرف من وراء ذلك!
التاريخ بعد 53 عامًا بحاجة إلى حقائق موثقة وإبراز ما حدث والدهاء والسياسة والمؤامرات والخيانات والبطولات وملحمة تشرين، وفي المقابل سقوط جولدا مائير واعتراف العدو في صباح التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) 1973 بالهزيمة قبل حدوث الثغرة، ليكون شهادة للأجيال القادمة حول كيف اتحد العرب ضد إسرائيل حين دقت الساعة الثانية بعد ظهر السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1973، وكيف اليوم بعض العرب يتحدون لحماية إسرائيل خارقين لآمال الشعوب العربية في تحرير فلسطين.


