هناك قيمة اقتصادية للشفافية يصعب قياسها في بند من بنود الميزانية. فعندما يعرف المستثمر إلى أين تتجه المالية العامة، وكيف ترى الحكومة الإيرادات والإنفاق والعجز والاقتراض خلال السنوات المقبلة، تنخفض مساحة المفاجأة وتتحسن قدرته على التخطيط. من هذه الزاوية، تستحق وزارة المالية السعودية الإشادة على مستوى الإفصاح الذي يقدمه البيان التمهيدي لميزانية 2027. فالوزارة لا تكتفي بنشر تقديرات العام المقبل، وإنما تضع أمام المواطنين والمستثمرين والقطاع الخاص تصورًا للمدى المتوسط، وتقول صراحة إن هذا الإفصاح يأتي ضمن جهود تعزيز الشفافية في المالية العامة.
تقدر الوزارة نفقات 2027 بنحو 1.392 تريليون ريال، مقابل إيرادات تبلغ 1.202 تريليون، وعجز يعادل نحو 3.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. كما توضح نيتها مواصلة الاقتراض محليًا ودوليًا، عبر السندات والصكوك والقروض، إلى جانب تمويل المشاريع والبنية التحتية. هذه الأرقام ليست مادة للقراءة فقط، إنها مدخلات لقرارات استثمارية. وهنا يبدأ دور القطاع الخاص.
فشركة تفكر في مصنع جديد، ومطور عقاري يدرس مشروعًا لخمس سنوات، وبنك يقرر سياسة الإقراض، ومستثمر يبني محفظة أسهم، جميعهم يستطيعون الانطلاق من الأرقام نفسها وبناء سيناريوهات مختلفة للمستقبل. ماذا لو كان سعر النفط أعلى أو أقل من الافتراضات؟ ماذا لو ارتفع الاقتراض الحكومي؟ وبأي تكلفة سيتم؟ وماذا يعني ذلك لأسعار الفائدة والسيولة وتمويل الشركات؟ كيف تتغير الصورة إذا تسارع نمو الإيرادات غير النفطية أو تباطأ؟
هذه الأسئلة كانت تتطلب في السابق فرقًا من الاقتصاديين والمحللين ونماذج مالية مكلفة. اليوم، يغير الذكاء الاصطناعي المعادلة. يستطيع صاحب شركة أن يدخل في حوار مع أداة ذكاء اصطناعي ويضع أمامها بيانات الميزانية، ثم يطلب ثلاثة أو خمسة سيناريوهات للسنوات المقبلة. يمكنه تغيير سعر النفط والفائدة والنمو والإنفاق الحكومي والاقتراض، ثم اختبار أثر كل سيناريو على قطاعه وشركته وتكلفة تمويله.
ويمكن للمستثمر في الأسهم أن يفعل الشيء نفسه. ماذا يحدث للبنوك إذا توسع الاقتراض والائتمان؟ أي القطاعات أكثر حساسية للفائدة؟ ماذا يحدث لتقييم شركة إذا ارتفعت تكلفة رأس المال نقطة أو نقطتين؟ وماذا يعني تباطؤ أو تسارع الإنفاق الحكومي لأرباحها؟
لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيخبرنا بما سيحدث في 2027 أو 2028. لن يفعل. لكن قيمته الحقيقية أنه يسمح لنا بالاستعداد لأكثر من مستقبل، بدلاً من بناء قرار استثماري كامل على توقع واحد. وهذه ربما إحدى النتائج غير المباشرة المهمة للشفافية المالية.
وزارة المالية توفر اليوم للقطاع الخاص قدرًا متزايدًا من المعلومات عن اتجاه المالية العامة والاقتصاد. والذكاء الاصطناعي يخفض بصورة كبيرة تكلفة تحويل هذه المعلومات إلى سيناريوهات وتحليلات. لقد قامت وزارة المالية بدورها، نشرت الأرقام ووسعت دائرة الشفافية. أما تحويل هذه الأرقام إلى خطط واستثمارات وقرارات أفضل، فهنا تبدأ مسؤولية القطاع الخاص. المعلومات أصبحت متاحة، وأدوات تحليلها أصبحت في متناول الجميع تقريبًا. الكرة الآن في ملعب المستثمر.

