: آخر تحديث

السعودية واليمن... هل تغيّرت معادلة البحر الأحمر؟

4
4
3

لم يعد اليمن، في هذه المرحلة، مجرد ساحة أخرى في صراع إقليمي طويل. ففي الجنوب الغربي من البلاد، حيث يلتقي البر بالبحر، عادت المعارك لتضع باب المندب في قلب المشهد من جديد. مضيق يبدو ضيقًا على الخريطة، لكنه يحمل وزنًا يتجاوز حجمه الجغرافي بكثير. فمن هنا تمر طرق بحرية تربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومنها تمتد خطوط التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. ولهذا، عندما تتغير موازين القوة حول باب المندب، لا يبقى أثرها داخل اليمن، بل قد تصل تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي.

خلال الأيام الأخيرة، أطلقت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا هجومًا لاستعادة مناطق سيطر عليها الحوثيون، فيما أعلنت القوات الحكومية المدعومة سعوديًا إحراز تقدم في مناطق مطلة على باب المندب، بدعم جوي سعودي مكثف. وتقول مصادر حكومية وعسكرية: إن القوات استعادت مواقع استراتيجية في مديرية ذُباب وتقدمت باتجاه المخا، بينما شكك الحوثيون في هذه الرواية. لكن أهمية التطورات الحالية لا تكمن فقط في السؤال العسكري: من تقدم؟ ومن تراجع؟ السؤال الأوسع هو: لماذا أصبح باب المندب بهذه الأهمية في هذه اللحظة تحديدًا؟

الجواب باختصار لأن البحر الأحمر لم يعد منفصلًا عن بقية معادلات المنطقة. ففي الوقت الذي تتعرض فيه طرق الطاقة والتجارة في المنطقة لضغوط متزايدة، أصبحت السيطرة على الممرات البحرية أو القدرة على تهديدها ورقة قوة تتجاوز حدود الدولة التي تقع فيها. وقد حذرت تحليلات حديثة من أن تجدد القتال حول باب المندب يضيف مخاطر جديدة إلى حركة الشحن والطاقة والأسواق العالمية.

وهنا تظهر السعودية في قلب المعادلة. فالمملكة لا تنظر إلى اليمن باعتباره ملفًا أمنيًا على حدودها الجنوبية فقط. أمن البحر الأحمر يرتبط أيضًا بأمن الملاحة، وحركة التجارة، والطاقة، والموانئ، وبالموقع الاقتصادي الذي تسعى السعودية إلى ترسيخه في المنطقة. ولهذا فإن دعم الرياض للقوات الحكومية اليمنية في المعركة الحالية لا يمكن قراءته فقط باعتباره محاولة لتغيير خطوط السيطرة داخل اليمن. إنه أيضًا محاولة للتعامل مع تهديد أوسع يتعلق بالممر البحري نفسه. وقد نقلت رويترز، قبل بدء الهجوم الحالي، أن السعودية كانت تدرس خيارات عسكرية لاستعادة مناطق حول باب المندب، في ظل اعتبار السيطرة الحوثية على المضيق مصدرًا لنفوذ استراتيجي كبير.

لكن هنا تظهر المفارقة. استعادة الأرض لا تعني بالضرورة استعادة الاستقرار. فالحوثيون لا يزالون يمتلكون قدرة عسكرية ومواقع داخل مناطق واسعة من اليمن، فيما تتواصل المعارك على جبهات أخرى، خصوصًا حول تعز. وفي الوقت نفسه، فإن أي سيطرة عسكرية على الساحل لا تلغي القدرة على استخدام الصواريخ أو الطائرات المسيّرة من مناطق أخرى لتهديد الملاحة أو البنية التحتية. وهذا يعني أن معادلة البحر الأحمر لا تُحسم بالسيطرة على نقطة واحدة، بل تتطلب قدرة على حماية الممر، وردع الهجمات، ومنع عودة التصعيد، وخلق ترتيبات سياسية تسمح باستمرار الملاحة بأمان.

ومن هنا يصبح السؤال السياسي أكثر تعقيدًا: هل نحن أمام عملية عسكرية هدفها استعادة مواقع استراتيجية فقط؟ أم أمام محاولة لإعادة رسم ميزان القوة في اليمن والمنطقة؟ فالسيطرة على باب المندب تمنح أي طرف قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة. وبالنسبة إلى الحوثيين، يعني ذلك امتلاك ورقة ضغط استراتيجية. وبالنسبة إلى السعودية والحكومة اليمنية، يعني استعادته تقليص هذه الورقة وإبعاد الخطر عن أحد أهم الممرات المرتبطة بأمن البحر الأحمر. أما بالنسبة إلى القوى الدولية، فالمسألة تتجاوز اليمن أصلًا، لأن اضطراب الممرات البحرية يعني ارتفاع كلفة النقل والتأمين، واحتمال اضطراب سلاسل الإمداد، وضغوطًا إضافية على أسواق الطاقة. وهنا تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد، ويتحول المضيق إلى ورقة سياسية.

لكن خلف كل هذه الحسابات، يبقى اليمن نفسه. بلد أنهكته سنوات الحرب، وأصبح المدنيون فيه يدفعون ثمن كل تغير في ميزان القوة. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن تجدد القتال أدى خلال الأسابيع الأخيرة إلى نزوح عشرات الآلاف من الأشخاص، ما يضيف أزمة جديدة إلى واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في المنطقة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: من يستطيع السيطرة على باب المندب؟ بل: من يستطيع تحويل السيطرة إلى استقرار؟

فالممرات البحرية يمكن حمايتها بالقوة لفترة، لكن الأمن المستدام يحتاج إلى ما هو أبعد من القوة العسكرية. يحتاج إلى ترتيبات سياسية، وإلى دولة قادرة على بسط سلطتها، وإلى معالجة جذور الصراع بدل إعادة توزيع خطوطه على الخريطة. وهنا ربما تكمن صعوبة المرحلة المقبلة. فالسعودية أمام معادلة دقيقة، تريد تأمين حدودها ومصالحها وممرات التجارة في البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن يكون الحل العسكري وحده كافيًا لإنهاء الصراع اليمني.

وبدوره، اليمن أيضًا أمام سؤال أكثر صعوبة: هل يمكن أن يتحول موقعه الجغرافي الاستثنائي من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة والتنمية؟ فالموقع الذي جعل اليمن ساحة تنافس إقليمي، يمكن أن يكون أيضًا أحد أكبر عناصر قوته الاقتصادية إذا استقر. الموانئ، والملاحة، والتجارة، والطاقة، والاتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، كلها فرص يمكن أن تجعل من اليمن جزءًا أساسيًا من اقتصاد المنطقة، بدل أن يبقى جزءًا من أزماتها.

وهنا تتجاوز قصة باب المندب حدود الحرب الحالية. إنها تذكير بأن الدول لا تختار دائمًا قيمة موقعها الجغرافي، لكنها تختار كيف تدير هذه القيمة. فالموقع قد يكون ثروة، وقد يكون عبئًا، وقد يتحول إلى مصدر قوة عندما تصنع الدولة حوله الاستقرار والمؤسسات والاقتصاد، وقد يتحول إلى مصدر صراع عندما يصبح مجرد ورقة في معركة النفوذ.

واليوم، يقف باب المندب مرة أخرى أمام هذا الاختبار. فهل تتجه المنطقة نحو معادلة جديدة تُعيد للممر البحري أمنه، وتفتح الباب أمام تسوية أوسع في اليمن؟ أم أن السيطرة على المضيق ستصبح فصلًا جديدًا في صراع أطول؟ المؤكد أن ما يحدث في اليمن لم يعد شأنًا يمنيًا فقط، فحين تهتز الممرات التي تربط البحار والأسواق والدول، يهتز معها جزء من توازن المنطقة والعالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.