هناك شيء من العنجهية في بعض ما يكتبه الصحافيون والمحللون الأميركيون عن منطقتنا.. وأنت تقرأ لهؤلاء الصحافيين، لا تدري هل تقرأ تحليلًا سياسيًا أم تقريرًا معلوماتيًا أم محاضرة أكاديمية؛ إذ يكتب أحدهم وكأنه يجلس في غرفة القرار، ويعرف ما دار فيها، وما ينبغي علينا فعله، ومن نصادق، ومن نخاصم، ثم يوزع توصياته بثقة المعلم أمام طلابه!
والغريب أن هذه الوصاية والفوقية تأتي من عواصم لم تكن تجاربها في منطقتنا والعالم نموذجًا للنجاح الذي يسمح لأصحابها بتوزيع دروس الحكمة؛ فمن فيتنام إلى العراق، دفعت شعوب كاملة ثمن حسابات ثبت لاحقًا رعونتها وخطؤها، ولعل قصة أسلحة الدمار الشامل في العراق واحدة من أشهر الأمثلة، حين تحولت معلومات وتقديرات إلى عناوين كبرى أسهمت في تهيئة الرأي العام لحرب، اكتشف العالم لاحقًا أن أحد أهم مبرراتها لم يكن صحيحًا.
وهذا لا ينتقص من قيمة الصحافة الأميركية، لكنه يضعها في حجمها الطبيعي؛ فهي صحافة قوية ومؤثرة، لكنها ليست معصومة من الخطأ أو الانحياز.. والمشكلة ليست في النقد، فنحن أحوج ما نكون إليه، وإنما في تحويل القراءات الشخصية والانطباعات والتمنيات إلى حقائق راسخة وأحكام قاطعة، ثم يأتي بعض المهووسين بكل ما يصدر عن الإعلام الأميركي ليعيدوا تقديمها لنا باعتبارها معلومات من «مصادر موثوقة»، بينما هي في كثير من الأحيان ليست إلا آراء لكتّاب يرون المنطقة من نافذة مصالح بلادهم وتجاربهم الشخصية.
السعودية ليست دولة هامشية على الساحل أو في زاوية من العالم حتى يرسم الآخرون لها دورًا وظيفيًا ثم يحاسبونها على الخروج عنه.. نحن في قلب العالم العربي والإسلامي، وفي قلب معادلات الطاقة والاقتصاد والسياسة، ونملك من الجغرافيا والتاريخ والمصالح ما يجعل رؤيتنا للمنطقة نابعة من موقعنا، لا من مقالات وتجارب الآخرين وتمنياتهم.
لذلك علينا أن نتوقف عن التعامل مع كل ما تنشره الصحافة الأميركية وكأنه وثيقة سرية من غرفة القرار.. فأعرق الصحف والمجلات الأميركية تبقى مجرد منابر للأخبار والآراء، تصيب وتخطئ، وتنحاز وتتأثر بمصالحها وبيئتها مثل غيرها.. فليس كل ما تقوله حقيقة، وليس مطلوبًا منا أن نجلس على مقاعد الطلاب!

