: آخر تحديث

"اتفاق مكة" والأسئلة الإقليمية الشائكة!

3
3
3

لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان "اتفاق مكة للدفاع المشترك" مجرد إعلان عن تعاون عسكري جديد، بل بدا أقرب إلى لحظة تأسيس في عملية أوسع لإعادة ترتيب الأمن والنفوذ في الشرق الأوسط وما حوله.لكن من المبكر وصف هذا الترتيب بأنه "ناتو إسلامي". فالاتفاق لا يملك بعد بنية عسكرية مشتركة أو قيادة عملياتية أو آلية واضحة لتحديد شكل الرد على أي اعتداء. كما أن الدول الثلاث نفسها لا تتعامل مع إيران بالطريقة ذاتها، ولا تبدو مستعدة بالضرورة للذهاب إلى حرب مفتوحة معها. وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الاتفاق. ففي اليوم السابق لتوقيعه، كانت باكستان تعمّق تعاونها الاقتصادي مع إيران، في إطار تفاهمات تستهدف رفع التجارة الثنائية إلى عشرة مليارات دولار بحلول عام 2030، وتوسيع حركة العبور والتجارة الحدودية. كما تسعى إسلام آباد إلى الحفاظ على موقعها كوسيط بين طهران والرياض وواشنطن، بدلاً من الانخراط في محور عدائي ضد إيران.تركيا بدورها تربطها بطهران مصالح اقتصادية وسياسية متشعبة، ولا تعتبرها عدواً استراتيجياً بالمعنى الذي يجعل الحرب معها هدفاً معلناً. ولذلك يصعب تصور أن تتحول أنقرة أو إسلام آباد تلقائياً إلى طرف في حرب مع إيران إذا تعرضت السعودية لهجوم.وتؤكد التجربة الباكستانية ذلك. فقد انضمت إسلام آباد إلى التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين عام 2015، لكنها امتنعت عن المشاركة العسكرية المباشرة بعد قرار البرلمان. كما بقيت بعيدة من بعض التحالفات البحرية التي قادتها الولايات المتحدة في البحر الأحمر.هذا السؤال يقود إلى طبيعة الحلف الحقيقية. فالسعودية لا تبدو بصدد استبدال الولايات المتحدة بتركيا وباكستان، بل تنويع خياراتها الأمنية. تجربة الهجمات التي تعرضت لها المملكة، وفي مقدمها استهداف منشآت بقيق وخريص النفطية عام 2019، ثم الهجمات الإيرانية وهجمات الحوثيين، عززت اقتناع الرياض بأن الاعتماد على مظلة أمنية واحدة يحمل مخاطر كبيرة. لهذا يمكن فهم "اتفاق مكة" بوصفه حلفاً كابحاً أكثر منه حلفاً حربياً، وهنا تكمن الرسالة الأهم إلى الولايات المتحدة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد