: آخر تحديث

«اتفاقية مكة»... الرمزية والتفعيل

3
2
2

قبل توقيع اتفاقية «مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا في الأيام القليلة الماضية، كانت الرياض قد وقّعت مسبقاً مع إسلام آباد في سبتمبر (أيلول) 2025، اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك في قصر اليمامة بالعاصمة الرياض، وهو في السياق والأهداف ذاتهما؛ الردع وحماية المصالح المشتركة. عملياً تفعّلَت اتفاقية الرياض مع إسلام آباد من خلال انحسار الهجمات الإيرانية على المملكة خلال الأشهر الماضية، وتصدير طهران هذه المهمة إلى أطراف أخرى في العراق واليمن لصرف المسؤولية عنها. إنما الوضع الإقليمي المربك وغير المستقر، دفع الرياض إلى هندسة استراتيجية ستخلق واقعاً جديداً في المنطقة من خلال تشكيل التكتل الثلاثي؛ الرياض، وإسلام آباد، وأنقرة.

اتفاقية «مكة»، ابتداءً هي محصلة نجاح الدبلوماسية السعودية في تعزيز علاقاتها بدول المنطقة والعالم، وحرصها على تتويج خطواتها الدفاعية بغطاء شرعي مُعلن، وتحقيق مصالح مشتركة لدول صديقة. ومع التوقيع، جاءت التصريحات الرسمية لأطراف الاتفاقية متسقة لتأكيد ثلاث نقاط؛ الاتفاقية لا تستهدف؛ طائفة معينة، ولا دولاً معينة، ومهامها بشكل أساسي تتركز في الردع والدفاع وليس الهجوم.

الدعاية الإيرانية بأن الاتفاقية تستهدف طائفة محددة، لا أساس لها، ولم تنجح إيران حتى في تسويق هذا الادعاء. أيضاً أكدت أطراف الاتفاقية أنها لا تستهدف دولاً محددة، الدول الثلاث قوى مؤثرة، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً؛ ليست ميليشيات، ولا تعمل في الخفاء، اتفاقيتها ليست موجهة لا لإيران على الخصوص، ولا لإسرائيل القلقة مما سمّته صحافتها «ناتو إسلامي».منذ بداية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على طهران في فبراير (شباط) الماضي، وجهت طهران قواها الهجومية بشكل مكثف على دول الخليج والأردن، ومؤسساتها المدنية، بوصف ذلك ورقة ضغط على الولايات المتحدة بأن حلفاءها في المنطقة تحت تهديد صواريخها ومسيراتها. لم تتفاعل دول الخليج والأردن عسكرياً مع هذه الهجمات، ولم تُرِدْ أن تحقق لإيران مبتغاها بتوسيع نطاق الحرب وإشعال المنطقة في أتون اضطراباتٍ الله وحده يعلم كيف كانت ستنتهي. والواقع أن الولايات المتحدة الأميركية كانت خطتها هجومية على الأراضي الإيرانية ولم تحسب حساباً لخطة دفاع عن حلفائها الذين تولوا صد الهجوم ونجحوا في الدفاع عن أراضيهم. فإن كان برنامج إيران الباليستي الذي تعمل عليه منذ عقود أنتج 8 آلاف صاروخ، بحسب إحصاءات، فهذا يعني العدد نفسه من صواريخ مضادة، ناهيك بالمسيرات سهلة التصنيع.

باكستان دولة نووية متقدمة، وتواصل تطوير صناعتها العسكرية وبخاصة في إطار القوات المسلحة البحرية، لأنها تجاور الهند التي تراها خصماً استراتيجياً. تركيا عضو في حلف «الناتو» الذي تأسس لتنفيذ أعمال عسكرية دفاعية وهجومية، ولديها برامج تصنيع عسكرية متقدمة، ومع ذلك تحاول زيادة ترسانتها من صناعات أجنبية كما هي الحال مع منظومة الدفاع الجوي «S400» الروسية، ومفاوضاتها لشراء مقاتلات «F35» الأميركية.

السعودية، وجهت مواردها من الطاقة للبناء والتطوير المدني، والتعاون الدولي، منذ أكثر من ثمانية عقود، لكنها اليوم تدخل مجال التصنيع العسكري في منطقة مضطربة أبت إلا أن تظل مثل غالون البنزين، قابلة للاشتعال مع أصغر شرارة. ومثل هذه الصناعات تتطلب وقتاً وخبراء، وشركاء لنقل التقنيات وتعليمها، لكن حتى ذلك الحين، تحقيق جزء من الأمن الدفاعي من خلال بناء شراكات وإعمال اتفاقيات مع دول صديقة هي قطعاً استراتيجية ذكية فاجأت فيها الرياض المنطقة.

قد تستمر مثل هذه الاتفاقية زمناً طويلاً من دون توقع الاحتياج لتفعيلها، لكن مجرد وجودها بوصفها إشارة حمراء مضيئة على شاشة الأحداث، سيعيد حسابات الدول المعتدية، ويعطي تفاؤلاً شعبياً كبيراً لدول المنطقة التي احتفت بهذه الاتفاقية ليس فقط لأسباب أمنية، بل كونها رمزية لتكاتف إسلامي يمثل أكثر من مليار مسلم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد