هناك تحول يجري داخل منصات التواصل الاجتماعي يستحق التوقف عنده.. فالمحتوى الذي نشاهده يومياً أصبح جزءاً من دورة اقتصادية تقوم على جذب انتباه المستخدم، وإبقائه أمام الشاشة، وتحويل الوقت الذي يقضيه داخل المنصة إلى قيمة مالية تتوزع بين المنصة وصانع المحتوى.. ومع اتساع برامج تحقيق الدخل، ظهر ما يمكن تسميته بالمحتوى الربحي، وهو محتوى يُنتج أساساً للحصول على المشاهدات، لأن كل ارتفاع في المشاهدة والتفاعل يرفع فرص تحقيق الدخل.
هذا النموذج صنع سوقاً كبيرة للمحتوى، وأصبح بإمكان شخص يمتلك هاتفاً وحساباً في إحدى المنصات أن يدخل هذه السوق وينتج ويبيع ويحقق دخلاً من انتباه الآخرين.. وهنا تحديداً تظهر فكرة "اقتصاد الانتباه"، حيث أصبح وقت الإنسان مورداً اقتصادياً تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وأصبحت الدقيقة التي يقضيها المستخدم في مشاهدة مقطع تحمل قيمة يمكن قياسها وتحويلها إلى إيراد.. وكلما نجح المحتوى في الاحتفاظ بالمستخدم ارتفعت قيمته داخل هذه الدورة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المشاهدة إلى هدف اقتصادي مباشر، لأن هذا الحافز يغير طبيعة صناعة المحتوى نفسها.. فصانع المحتوى يراقب يومياً أرقام المشاهدات، ونسب الاحتفاظ، والتفاعل، والمشاركة، ويكتشف سريعاً أنواع المحتوى التي تمنحه انتشاراً واسعاً.. ومع الوقت تبدأ الخوارزمية في التأثير على قراراته، فينتج وفق ما يمنحه رقماً أعلى، ويختار موضوعاته وفق قدرتها على جذب الانتباه، ويعيد صياغة عناوينه وصوره وطريقة عرضه وفق سلوك الجمهور.. وهكذا تصبح الخوارزمية طرفاً مؤثراً في تحديد ما ينتجه الناس وما يشاهده الناس في الوقت نفسه.
وهذا يفسر جانباً من انتشار الإشاعات والقصص الغريبة والمعلومات المثيرة داخل المنصات.. فالإشاعة التي تحقق مليون مشاهدة تحمل لصاحبها قيمة اقتصادية حقيقية، والمقطع المثير الذي يدفع آلاف الأشخاص إلى التعليق والمشاركة يرسل للخوارزمية مؤشرات تدفع نحو توسيع انتشاره.. هنا تتشكل معادلة تحتاج إلى اهتمام أكبر، لأن المعلومة باتت منتج، وأصبح للمشاهدة عائد مالي، وتبدأ جودة المحتوى في التأثر بالحوافز الاقتصادية التي تحكم هذه السوق.
ودخول الذكاء الاصطناعي أضاف بعداً جديداً لهذه المعادلة من خلال الإنتاج بأقل تكلفة.. وهنا يظهر تحد اقتصادي وإعلامي يستحق الدراسة.. لأن اقتصاد الانتباه يكافئ القدرة على جذب المستخدم، وهذه القدرة يمكن أن تأتي من أي مصدر حتى لو أنه غير حقيقي وهذا الأمر بات يأخذ مساحة متزايدة في حياتنا الرقمية وإذا لم نعزز وعينا تجاه هذا التحدي سيكون كل ما يطرح قابلاً للتصديق خصوصاً أن سهولة إنتاج المقاطع وتطور جودتها يمنحان المحتوى المصطنع قدرة كبيرة على الانتشار والتأثير في قناعات الجمهور وتشكيل تصوراته.

