منذ انطلاقة نجومية محمد هنيدي المتفردة في فيلم (صعيدي في الجامعة الأمريكية)، وأنا أرتبط بأفلامه بعلاقة مختلفة، فهو لم يكن بالنسبة لي مجرد ممثل كوميدي يبحث عن الإضحاك، بل كان يمثل جيلاً سينمائياً جديداً جاء في نهاية التسعينيات، واستطاع مع مجموعة من النجوم الشباب أن يغير شكل البطولة في السينما المصرية، ويقدم شخصية الشاب البسيط الذي يدخل معترك الحياة بخفة ظله وقيمه وأحلامه ومشكلاته اليومية.
كانت قوة هنيدي في بساطته، لم يكن يحتاج إلى مشهد صادم أو لفظ غير مؤدبة او مألوفة حتى يضحكنا، في (صعيدي في الجامعة الأمريكية) و(همام في أمستردام)، و(جاءنا البيان التالي)وغيرها، كانت الكوميديا تخرج من الشخصية والموقف، وكان المشاهد يتعاطف مع البطل قبل أن يضحك منه أو معه، وهذه في رأيي القيمة الحقيقية التي صنعت نجومية هنيدي، وجعلت أفلامه جزءاً من ذاكرة جيل كامل.
لذلك عندما ذهبت للسينما مؤخراً لمشاهدة فيلمه الأخير «الجواهرجي» كانت لدي توقعات عالية، خصوصاً أن هذا الفيلم يعيد هنيدي والنجمة منى زكي معاً بعد ما يقارب ثلاثة عقود من «صعيدي في الجامعة الأمريكية»، لكن وبصراحة صدمني الفيلم وخرجت وأنا أتساءل، أين هنيدي الذي أحببناه..؟!
المشكلة بالنسبة لي ليست في أداء هنيدي، فما زالت لديه الروح والحضور والقدرة على صناعة الضحكة، وإنما في الاختيارات التي تحيط به، ففيلم الجواهرجي يقوم على فكرة خلافات زوجية كان يمكن أن تتحول إلى كوميديا اجتماعية جميلة، لكنه في أجزاء كثيرة بدا أقرب إلى مجموعة مواقف وإفيهات متلاحقة، دون بناء درامي يمنح الشخصيات عمقها، رغم وجود أسماء فنية مهمة في العمل.
والأمر لا يتعلق بفيلم واحد فقط، فالملاحظ في عدد من تجارب هنيدي السينمائية الأخيرة ابتعاده تدريجياً عن المعادلة التي صنعت نجاحه، وهي قصة بسيطة ومتماسكة، وشخصية قريبة من الناس، وكوميديا تنبع من الموقف، وهي ملاحظات سبق أن طُرحت نقدياً حول بعض أفلامه الأخيرة، خصوصاً تكرار الشخصية والإفيهات وضعف البناء الدرامي.
أما أن نشاهد في فيلمه الأخير على سبيل المثال، وفي إطار كوميدي، شاباً يضرب والد زوجته الكبير في السن لمجرد صناعة الضحكة، فهنا استغرب بصراحة، ليس لأن السينما مطالبة بتقديم دروس في الأخلاق، ولكن لأن الكوميديا التي عرفناها مع هنيدي كانت أذكى وأبسط من أن تحتاج إلى مثل هذه المواقف، فضلاً عن بعض الألفاظ والمشاهد التي لا تضيف شيئاً حقيقياً للقصة.
محمد هنيدي بالنسبة لي وللكثيرين ليس نجماً يبحث عن فرصة، بل صاحب تاريخ مهم في السينما العربية، ولذلك لابد ان تكون اختياراته اليوم (أكثر مسؤولية)، لان النجومية الحقيقية لا تقاس بعدد الأفلام، وإنما بما يبقى منها في ذاكرة الجمهور، لذلك بعد فيلم الجواهرجي اعتقد ان هنيدي لا بد أن يراجع نفسه، ويسأل لماذا أحببناه.

