: آخر تحديث

العربي الأخير

2
3
2

في مدينة متخيلة لا تحمل اسمًا، كان الناس يتحدثون العربية، لكنهم لم يعودوا يفكرون بها، كانت الألسنة عربية، أما العقول فقد توزعت بين عواصم العالم. هناك من يستيقظ على خطاب تركي فيرى التاريخ بعين أنقرة، وهناك من ينام على خطاب إيراني فيحلم بحدود لا تشبه أوطانه، وهناك من يقيس كل شيء بميزان الغرب حتى فقد القدرة على رؤية نفسه دون مرآة الآخرين!

وفي زاوية بعيدة، جلس رجل عجوز، يلقبونه بـ"العربي الأخير".

لم يكن آخر العرب نسبًا، بل آخرهم استقلالًا.

كان يقول: "أخطر استعمار لا يحتل الأرض، بل يحتل زاوية التفكير التي تنظر منها إلى الأرض"، ضحكوا منه، وقالوا إنه يعيش خارج العصر!

العجيب أن العرب عبر تاريخهم لم يكونوا أقوياء لأنهم كانوا نسخة من أحد، بل لأنهم كانوا أنفسهم، حين بنوا الحضارة، لم يسألوا فارس كيف يفكرون، ولم ينتظروا الروم ليخبروا أبناءهم كيف يكتبون، ولم يجعلوا لغتهم ملحقًا بلغة أخرى. كانوا يأخذون من الأمم العلم والخبرة، لكنهم لم يتنازلوا عن مركزية شخصيتهم.

أما اليوم، فقد أصبح بعض العرب يختلفون فقط في اسم المعلم الذي يقلدونه، فهذا يرى أن الخلاص لا يأتي إلا من إسطنبول، وذاك يظن أن المستقبل يبدأ من طهران، وثالث يعتقد أن الحضارة تعني أن تصبح نسخة رديئة من الغرب.

أما الوطن، فقد تحول عند بعضهم إلى محطة انتظار حتى يصل القرار من الخارج!

لم يكن العربي الأخير ضد تركيا، ولا ضد إيران، ولا ضد الغرب، بل كان ضد أن يتحول العربي إلى تابع.

كان يقول: "استفد من الجميع، لكن لا تستأجر عقلك لأحد"، فالفرق كبير بين التعاون والتبعية، وبين التعلم والذوبان، وبين احترام الآخرين وعبادتهم!

كان يرى أن أخطر ما أصاب الأمة ليس الهزائم العسكرية، بل الهزائم النفسية، حين يقتنع الإنسان أن الحلول لا يمكن أن تخرج من بيئته، وأن البطولة دائمًا عند الآخرين، وأن الحكمة تُستورد، وأن القوة تُستعار، حينها يصبح مستعدًا لأن يصفق لأي مشروع خارجي، مهما كان ثمنه على وطنه.

وهكذا يبدأ سقوط الأمم، ليس بالدبابات، بل بالإعجاب الأعمى!

في الأسواق، لاحظ العربي الأخير ظاهرة غريبة، كل فريق يردد شعارات لا تخصه، هذا يتحدث وكأنه ناطق رسمي باسم دولة أخرى، وذاك يغضب لمعارك لا تخص وطنه أكثر من غضبه على أزمات مدينته، وثالث يحفظ أسماء الساسة الأجانب أكثر مما يعرف أسماء العلماء في بلاده.

قال بحزن: "حين يصبح ولاء الإنسان للأفكار المستوردة أكبر من مسؤوليته تجاه وطنه، فاعلم أن الهوية بدأت تتآكل".

ثم رفع كتابًا قديمًا وقال: "الحضارات العظيمة لا تنمو بالتقليد، بل بالثقة"، فاليابان لم تصبح اليابان لأنها حاولت أن تكون أميركا، وكوريا الجنوبية لم تنهض لأنها أصبحت نسخة من الصين، وتركيا نفسها لم تصنع سياساتها لأنها حاولت أن تكون عربية، وإيران لم تبنِ مشروعها، بالرغم من اختلافنا الجذري معها، لأنها قلدت أحدًا، والغرب لم يصل إلى ما وصل إليه لأنه عاش بعقل الآخرين.

كل أمة صعدت لأنها آمنت بأنها مركز مشروعها، لا هامشه، فلماذا يريد بعض العرب أن يبدأوا نهضتهم بإلغاء أنفسهم؟

العربي الأخير كان يبتسم كلما رأى من يعتقد أن الانتماء للخارج يمنحه قيمة أكبر.

ثم يقول: "من لا يعتز بجذوره، سيبقى ورقة تحملها رياح المصالح"، فالسياسة تتغير، والتحالفات تتبدل، أما الأوطان فهي التي تدفع الثمن دائمًا.

ولهذا فإن الحكمة ليست في اختيار معسكر للتصفيق، بل في بناء قوة تجعل الجميع يحترمك.

وفي مساء أحد الأيام سأله شاب:

إذن، هل نقاطع العالم؟

ابتسم العربي الأخير وقال:

بل انفتح على العالم كله، تعلم من الغرب انضباطه العلمي، وتعلم من الشرق صبره، وتعلم من كل أمة ما ينفعك، لكن لا تسمح لأحد أن يكتب هويتك بدلاً منك.

وأضاف:

"خذ من الجميع المعرفة، ولا تعطِ أحدًا حق الوصاية على عقلك".

وحين رحل العربي الأخير، وهذا ما سيكون، لم يترك وصية سياسية، بل جملة واحدة كُتبت على باب بيته:

"لا تكن تركيًا إذا تحدثت عن العرب، ولا فارسيًا إذا اختلف العرب، ولا غربيًا إذا قيّمت حضارتهم، كن عربيًا يعرف مصالح أمته أولاً، ويتعامل مع العالم بعقل مستقل، فالأمم لا تنهض حين تكره الآخرين، بل حين تتوقف عن تقليدهم"، وربما لم يكن العربي الأخير آخر الرجال.

بل كان آخر من آمن أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من استقلال العقل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.