تشهد الساحة الإيرانية، في هذه المرحلة الحساسة، مسارين متوازيين يصبان في مجرى واحد: تصاعدًا متسارعًا في حدة القمع والانتهاكات داخل السجون، ومواكبة ذلك بانكشاف عميق لأزمة الفراغ والانقسام في رأس الهرم السياسي. فما يجري اليوم في معتقلات إيفين ولاكان رشت وغيرها، لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن حالة التخبط والاستعصاء البنيوي التي يعيشها نظام "ولاية الفقيه"، عقب الغياب الفعلي لعلي خامنئي وعجز نجله مجتبى عن ردم الفجوة أو فرض الهيبة، مما جعل السلطة تتخبط بين خوفها من الانفجار المجتمعي وتصفية الحسابات بين أجنحتها المتصارعة.
تُظهر التطورات الأخيرة في السجون الإيرانية أن سياسة الترهيب أخذت أبعادًا أكثر خساسة وخطورة. فقد شهد سجن إيفين اقتحامًا وحشيًا نفذته قوات القمع التابعة للنظام في القاعة الخامسة بالعنبر السابع، تخلله اعتداء جسدي صارخ على السجناء السياسيين ونهب ممتلكاتهم الشخصية، بتوجيه مباشر من القيادات الأمنية والإدارية في السجن. ولم تقتصر هذه الانتهاكات على العنف الفيزيائي، بل تعدته إلى تدهور مأساوي في الظروف المعيشية والصحية، عبر الدمج التعسفي واحتجاز السجناء السياسيين عمدًا إلى جانب مرتكبي الجرائم الخطرة لممارسة ضغط نفسي وجسدي مضاعف، فضلاً عن تفشي الأمراض الجلدية جراء انتشار القوارض والحشرات، وتقنين استخدام الحمامات، والبيع التعسفي للمواد الأساسية بأسعار مضاعفة ودون فواتير رسمية.
وفي سجن لاكان رشت، تجلت الفاشية في ابتكار أساليب النهب والسلب، حيث أدى تغيير الإدارة إلى نهب الميزانيات واختلاس المساعدات، وقطع حصص المواد الصحية، ونصف حصة الخبز، وفرض إتاوات مالية باهظة على عوائل السجناء مقابل منحهم حقوقًا قانونية كالإجازات. إن هذا السلوك السادي ينبع من حقيقة واحدة، وهي الذعر البنيوي للنظام من تحول السجون إلى منارات تنظم المقاومة وتلهم الشارع الثائر.
على الضفة الأخرى، تعيش السلطة حالة تآكل غير مسبوقة. فبعد أفول نجم خامنئي، فشلت محاولات ترتيب "الوفاق" أو التستر على التناقضات عبر إقحام الحروب والمواجهات الإقليمية. إذ تحول التنافس بين كتل الحكم من "اختلاف حول إدارة النظام" إلى "تخاصم صفري يستهدف المحو والإلغاء". وقد اعترفت صحافة النظام نفسها، كما جاء في صحيفة إيران الحكومية، بهذا التفتت، حين تحدثت عن تحول المفهوم من "رقيب" إلى "عدو"، وعن خروج أصوات "نشاز" عبر شاشات الإعلام الرسمي تعبر عن سلطة "تيار الأقليات". هذا الاعتراف الذاتي تؤكده الوقائع، ويمثل انهيارًا لمركز السيطرة والتوازن، فولي الفقيه لم يعد يمثل صمام الأمان، بل أضحى هو نفسه بؤرة الصراع. ومع عجز مجتبى خامنئي عن ممارسة دور الحاسم، تصاعدت الاتهامات المتبادلة لرمي مسؤولية الفشل الاقتصادي والسياسي، وازدادت خشية النظام من لحظة الاندماج بين الرفض الشعبي العارم والصمود المنظم داخل المعتقلات.
وختام القول: إن هذا الربط بين وحشية السجون وانكسار التوازن في الهرم السياسي يوضح أن نظام الملالي قد وصل إلى نفق مسدود غير قابل للترقيع، حيث أصبحت أدوات الترقيع السياسية والقمع المفرط عاجزة تمامًا عن احتواء الأزمة. إن الحقيقة الساطعة التي يتجاهلها النظام هي أن القمع الداخلي وتصدير الأزمات إلى الخارج يمثلان جوهر عقيدته ونسيج سياستيه الخارجية والداخلية، ولن يتوقف هذا المسار المظلم إلا بزوال السبب نفسه. ومن هنا، فإن المخرج الوحيد من هذا الاستعصاء الشامل والحل النهائي لكل أزمات إيران والإقليم يكمن في إسقاط هذا النظام وتغييره جذريًا، وهو المطلب الشعبي العارم الذي تتطلع إليه غالبية الشعب الإيراني وتصنع معالمه المقاومة الوطنية كل يوم.


