: آخر تحديث

في حضرة الصحافة

0
0
0

رحم الله أولئك الذين لم يكونوا أسماءً عابرة في سجلّ الثقافة العربية، ولا ظلالاً مرّت سريعاً فوق صفحات الجرائد والكتب، بل كانوا أصواتاً صنعت جانباً من وعينا، ووسّعت مساحة السؤال في داخلنا، وعلّمتنا أن الكلمة قد تصبح وطناً حين تضيق الأوطان، وأن الكتابة ليست زينةً للعقل ولا ترفاً للنخب، بل وسيلة لمقاومة العزلة والخوف والنسيان.

رحم الله شاعرنا الكبير نزار قباني، الذي جعل من القصيدة موقفاً، ومن المقالة نافذةً مشرعة على جراح الإنسان العربي وأحلامه المجهضة. لم يكن نزار شاعر الحب وحده، كما يحلو لبعضهم أن يختصره، بل كان شاعر الحرية والكرامة والانكسار، وصوتاً يقترب من القلب من دون حواجز. كان يعرف أن البلاغة الحقيقية لا تختبئ خلف الغموض، وأن الكلمة كلما كانت أكثر صفاءً، كانت أشد قدرة على النفاذ إلى الروح.

ورحم الله الروائي الكبير نجيب محفوظ، الحائز جائزة نوبل للآداب، الذي استطاع أن يحوّل الحارة المصرية الصغيرة إلى مسرح واسع للوجود الإنساني، وأن يجعل من شخصياتها البسيطة مرايا نرى فيها رغباتنا وخيباتنا، ضعفنا وطموحنا، وخوفنا الدائم من الزمن. كان يكتب عن الأزقة الضيقة، لكنها كانت تفضي دائماً إلى أسئلة كبرى عن المصير والعدالة والحب والموت.

ورحم الله رائد القصة القصيرة عبد السلام العجيلي، الذي حمل الفرات ومدنه وقراه إلى فضاء الأدب العربي، ومنح بيئته المحلية رحابةً إنسانية تجاوزت حدود المكان. كانت شخصياته تنبض بصدق الأرض وحرارة الذاكرة، وكان يعرف كيف يجعل من الحكاية البسيطة باباً إلى أعماق النفس البشرية.

ورحم الله الناقد المصري الكبير رجاء النقاش، الذي لم يجعل من النقد محكمةً لإدانة المبدعين، بل جسراً يصل بين الكاتب والقارئ، ويضيء النص من دون أن يطفئ سحره. والرحمة للصحافي اللبناني نبيل خوري، وللصحافي العراقي خالد القشطيني، أحد أبرز رواد الكتابة الساخرة، الذي واجه قسوة الواقع العربي بابتسامة ذكية، ساخرة حيناً، وممزوجة بمرارة العارف حيناً آخر. كان يدرك أن السخرية ليست استهانة بالألم، بل حيلة نبيلة تحمي الروح من الانهيار أمام ما لا يُحتمل.

وفي حضرة الصحافة، لا تستطيع الذاكرة أن تمضي من دون أن تتوقف طويلاً أمام صحيفتي «السفير» و«الحياة»، اللتين احتجبتا عن الصدور، وتركتا وراءهما فراغاً لا يُقاس بعدد الصفحات التي غابت، بل بحجم المساحة الفكرية التي انطفأت. لم تكونا مجرّد صحيفتين يوميتين، بل جزءاً من طقوس القارئ العربي، ومن تكوينه السياسي والثقافي، ومن صباحاته التي كانت تبدأ برائحة القهوة والحبر.

حين تتوقف صحيفة عريقة، لا يغيب الورق وحده، بل تختفي معه عادة يومية، ورفقة فكرية، ونافذة كان الناس يطلّون منها على العالم. يشعر القارئ عندئذ كأن غرفةً من غرف البيت قد أُغلقت، أو كأن صوتاً مألوفاً كان يبدّد وحدته قد انقطع فجأة. فالصحيفة لا تعيش في المطابع وحدها، بل تسكن في ذاكرة قرّائها، وتلتصق بمحطات حياتهم، بأيام الحرب والسلام، وبالأخبار التي أفرحتهم أو أثقلت أرواحهم.

وتحية صادقة إلى صحيفة «النهار» اللبنانية، التي لا تزال تجدد حضورها، بما تقدمه من صور لافتة، ومواد غنية، ومقاربات مسؤولة، وبما ينهض به فريقها الصحافي، وعلى رأسه رئيسة التحرير نايلة تويني. لقد استطاعت «النهار»، رغم العواصف التي عصفت بالصحافة اللبنانية والعربية، أن تحافظ على قدر من روحها، وأن تتكيّف مع التحولات الرقمية من دون أن تتخلى عن صورتها بوصفها منبراً للحوار والثقافة والرأي.

وكان لافتاً كذلك ما شهدته صحيفة «المدى» العراقية من حضور ثقافي وفكري مميز، ولا سيما ما تنشره صفحات الفكر والرأي من مواد مقروءة وهادفة، تتسم بالمهنية والجدية. فالصحافة الثقافية الحقيقية لا تكتفي بملاحقة الأخبار، بل تقرأ الثقافة بوصفها حاجة اجتماعية وضرورة روحية، وتعكس أحلام الناس وتطلعاتهم، وتمنح القارئ ما يثري وعيه ويوقظ أسئلته.

ولا تغيب عن الذاكرة مجلة «الصقر» الرياضية، التي توقفت مطابعها عن الدوران لأسباب قاهرة، بعدما أسهمت سنوات طويلة في إثراء القارئ العربي بالمعلومة والصورة والتحليل، وزادت شغفه بالرياضة ونجومها وبطولاتها. كانت المجلات الرياضية، في زمنها الذهبي، مدارس غير معلنة للقراءة والمعرفة؛ يحتفظ بها القرّاء في بيوتهم، ويقصّ الصغار صور لاعبيها، ويتعلمون من صفحاتها أسماء المدن والبلدان والمنتخبات، قبل أن تصبح الرياضة جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة.

أما مجلة «الدوحة»، فقد كانت عودتها إلى الساحة الثقافية بعد غيابها حدثاً يبعث على الفرح، لأن احتجابها شكّل في حينه خسارةً ثقافية مؤلمة. كانت تضم مواد إبداعية ودراسات وحوارات تشهد على جهد رصين ورؤية واسعة. وما تزال «الدوحة» مساحة يلتقي فيها الأدب بالفكر، والشعر بالفن، والمشرق بالمغرب، في زمن باتت فيه المجلة الثقافية الجادة أشبه بواحة نادرة وسط سيل من المواد السريعة التي تُقرأ ثم تُنسى.

وتحية مفعمة بالمحبة للصحافي غسان شربل، الذي ينتظر القارئ مقالته صباح كل يوم اثنين في صحيفة «الشرق الأوسط»، لما تتسم به كتابته من خبرة وعمق وقدرة على قراءة التحولات الكبرى بعيداً عن الصخب والانفعال. في مقالاته هدوء من راكم التجربة، ودقة من يعرف أن السياسة لا تُقرأ من عناوينها وحدها، بل من طبقاتها الخفية وآثارها البعيدة.

وتحية للكاتب والشاعر طالب عبد العزيز، الذي يطل أسبوعياً من صفحات صحيفة «المدى» العراقية بمقالات نابضة بالحياة، تستمد دفئها من تجربة إنسانية وشعرية خصبة. وتحية للفنان التشكيلي ستار كاووش، الذي يضيء المشهد الفني بمقالاته النقدية الرصينة، ويكتب عن اللوحة كما لو أنه يفتح نافذة على أسرارها الداخلية، ويقود القارئ إلى ما وراء اللون والخط والمساحة.

ولا ننسى الصحافي والأديب علي حسين، الذي يكشف في مقالاته المتفردة في «المدى» عن نبوغ واضح، وقدرة لافتة على تناول الأفكار والشخصيات والكتب بلغة سلسة محببة إلى القارئ. فهو لا يكتفي بعرض الفكرة، بل يهبها حياة، ويجعل من المقالة حواراً مفتوحاً بين المعرفة والمتعة.

وكل التقدير للصحافي عبد الباري عطوان، رغم اختلافنا معه في بعض المواقف والقراءات؛ فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار للتجربة، ولا إلى إلغاء للجهد والقدرة على المتابعة والتحليل. فالصحافة التي لا تتسع للاختلاف تتحول إلى منبر للتلقين، بينما جوهرها الحقيقي أن تفتح أبواب النقاش، وأن تمنح القارئ فرصة التفكير، لا أن تفرض عليه أحكاماً جاهزة.

ولا يمكن أن ننسى الصحافي المخضرم سمير عطا الله، الذي ما زال يكتب بحيوية من تراكم التجربة من دون أن يفقد دهشته الأولى. وتلك واحدة من أجمل صفات الكاتب الحقيقي: أن يتقدم به العمر وتتسع معرفته، من دون أن يتحول إلى صوت بارد أو واعظ متعالٍ، بل يظل قادراً على التقاط المفارقة، والالتفات إلى التفاصيل الصغيرة، وصوغها بلغة يختلط فيها العمق بالعذوبة.

إن الصحافة ليست ورقاً وحبراً فحسب، ولا أخباراً تُنشر ثم يطويها النسيان. إنها ذاكرة جماعية، وضمير حي، وشهادة على أحوال الإنسان في لحظات القوة والانكسار. وحين نحيّي روادها، فإننا نحيّي زمناً كانت فيه الكلمة مسؤولية، وكان الصحافي يرى في مهنته رسالة أخلاقية ومعرفية، لا مجرد وظيفة أو وسيلة للشهرة.

تحية إلى الزملاء والأصدقاء، إلى فرسان القلم ورواده، وإلى كل من لا يزال يؤمن بأن للكلمة مكاناً في عالم يزداد ضجيجاً، وأن الصحافة الحقيقية، رغم أزماتها وتراجع الورق وسطوة المنصات السريعة، لا تزال قادرة على أن تبقى شاهدة على الإنسان والزمان، وحارسة لذاكرة المجتمعات من التزييف والمحو.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.