: آخر تحديث

البلوش في إيران… ورقة صاعدة أم وهم استراتيجي؟

2
2
3

 

هل تحوّل الحراك البلوشي في إيران إلى ورقة ضغط حقيقية في يد واشنطن بعد أن ضاقت خياراتها مع الأكراد؟ قد يبدو تصاعد العمليات المسلحة في الجنوب الشرقي الإيراني مؤشراً على ذلك، لكن هذا الاستنتاج يتجاوز ما تسمح به الوقائع. فالورقة البلوشية لا تزال بعيدة عن أن تكون بديلاً استراتيجياً عن الورقة الكردية، لأن قيمة أي حركة مسلحة لا تُقاس بعدد هجماتها، بل بقدرتها على تغيير موازين القوة داخل الدولة، واكتساب شرعية سياسية، واستقطاب دعم خارجي مستدام، ومن هنا، لا يكمن السؤال الحقيقي في قوة الحراك البلوشي بحد ذاته، بل في مدى امتلاكه المقومات التي تجعل منه أداة استراتيجية قابلة للاستثمار من قبل القوى الكبرى.

تشير الوقائع الميدانية إلى أن محافظة سيستان وبلوشستان تمثل الحلقة الأضعف في الجغرافيا الإيرانية منذ ضمها عسكرياً في عهد رضا شاه عام 1928، ويقطنها ما بين ثلاثة وأربعة ملايين نسمة، يشكل البلوش السنة نحو ثلاثة أرباعهم، بينما تعد المحافظة الأفقر في إيران وفق بيانات رسمية، وتسجل أدنى مؤشرات التنمية والتعليم ومتوسط العمر المتوقع.

وقد دفع هذا التهميش ثمناً سياسياً وأمنياً باهظاً؛ إذ لا يتجاوز البلوش خمسة في المئة من سكان إيران، لكن نسبتهم بين من أُعدموا في قضايا سياسية وأمنية خلال الأعوام الأخيرة جاءت أعلى بكثير من وزنهم الديموغرافي، كما عمّقت أحداث "الجمعة الدامية" في زاهدان عام 2022، التي قُتل فيها عشرات المحتجين والمصلين، الشعور بالقطيعة بين الدولة وقطاع واسع من السكان، لتتحول المحافظة إلى إحدى أكثر بؤر الاحتقان المزمنة داخل إيران.

ومن الطبيعي أن تنتج هذه البيئة حركات احتجاج وتنظيمات مسلحة، غير أن نشأة التمرد ليست هي المعيار الذي يحكم قيمته الاستراتيجية، بل قدرته على التحول إلى مشروع سياسي يفرض وقائع جديدة. فمنذ ظهور "جند الله" بقيادة عبد الملك ريغي، مروراً بـ "جيش العدل"، وصولاً إلى اندماج عدد من الفصائل أواخر عام 2025 في إطار "جبهة المقاومة الشعبية"، يتضح أن الحراك البلوشي انتقل من مرحلة التنظيمات المنفصلة إلى محاولة بناء إطار سياسي وعسكري أكثر تماسكاً.

والأكثر دلالة أن هذا التحول لم يُقدَّم بخطاب انفصالي صريح، بل في صورة مشروع يستهدف تغيير نظام ولاية الفقيه بالتعاون مع بقية المكونات الإيرانية، في إدراك واضح بأن الخطاب الوطني يمنح الحركة هامشاً أوسع من الخطاب الانفصالي الذي يصعب تسويقه داخلياً وخارجياً.

لكن هذا التطور لا يلغي القيود البنيوية التي تواجه الحركة، فقاعدتها البشرية والعسكرية ما تزال محدودة مقارنة بالحركات الكردية، كما أن مسرح عملياتها الصحراوي يقع بعيداً عن مراكز الثقل السياسي والاقتصادي في إيران، فضلاً عن أن أبرز التنظيمات المسلحة المرتبطة بها ما تزال مصنفة تنظيماً إرهابياً لدى الولايات المتحدة. وهذه المعطيات تجعل أي انتقال من الاتصالات غير المباشرة إلى الدعم العلني خطوة مرتفعة الكلفة سياسياً وقانونياً، وهو ما يفسر غياب أي مؤشرات على تحول العلاقة إلى شراكة استراتيجية حقيقية.

ومن هنا تتبدى حدود الورقة البلوشية نفسها، إذ إن أي تعويل على الخارج سيظل مشروطاً بطبيعة الدعم الممكن وحدوده، والأرجح أن أي انخراط خارجي في هذا الملف لن يتجاوز، في المدى المنظور، حدود الدعم الاستخباراتي والمالي غير المعلن، وربما الإسناد الإعلامي والسياسي المحدود، أما الدعم العسكري العلني فيبقى منخفض الاحتمال وعالي الكلفة، لأن القوى الكبرى تميل عادة إلى أدوات إسناد قابلة للإنكار، وتتجنب الانخراط المباشر عندما يتعلق الأمر بحركات مسلحة تحيط بها حساسيات قانونية وإقليمية معقدة.

وتتضح الصورة أكثر عند مقارنة البلوش بالأكراد، فقد أثبتت التجربة الكردية أن القوى الكبرى لا تبحث عن أكثر الحركات المسلحة نشاطاً، وإنما عن أكثرها قدرة على تحقيق مكاسب استراتيجية بأقل كلفة سياسية وعسكرية، ولهذا بدت الورقة الكردية أكثر جاذبية لواشنطن من الناحية العملياتية خلال حرب 2026، قبل أن تصطدم بالحسابات التركية. فقد رأت أنقرة أن تمكين أي قوة كردية مسلحة قرب حدودها يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهو ما دفعها إلى ممارسة ضغوط سياسية أنهت هذا المسار قبل أن يتحول إلى واقع. وأظهرت تلك التجربة أن جدوى أي ورقة داخل إيران لا تحددها قدرتها العسكرية وحدها، بل أيضاً استعداد الحلفاء الإقليميين لتحمل تبعاتها. لذلك لم يكن تراجع الرهان على الأكراد يعني تلقائياً انتقاله إلى البلوش.

ولا يقل العامل الباكستاني أهمية، فإسلام آباد تخوض صراعاً مع تمرد بلوشي داخل حدودها، وتدرك أن أي تصعيد في الجانب الإيراني قد يمتد إليها سريعاً، ولهذا فإن مصالحها تدفعها إلى احتواء الظاهرة أكثر من تشجيعها، حتى وإن كان نفوذها على واشنطن أقل من النفوذ التركي، وبذلك يبقى أي رهان خارجي على الساحة البلوشية محكوماً بموازين الإقليم أكثر مما تحكمه تطورات الداخل الإيراني، لأن نجاح أي مشروع من هذا النوع يتطلب توافقاً إقليمياً يبدو غائباً في الوقت الراهن.

في ضوء ذلك، تبدو الورقة البلوشية أقرب إلى أداة استنزاف منها إلى مشروع لتغيير النظام، فهي قد تفرض على طهران توزيع مواردها الأمنية على جبهة إضافية، وتزيد من كلفة السيطرة على الأطراف، لكنها لا تملك حتى الآن القدرة على تهديد مركز الدولة أو فرض معادلة سياسية جديدة، والخلط بين الإزعاج الأمني والتأثير الاستراتيجي يقود، في الغالب، إلى تقديرات مضللة، لأن التاريخ يبين أن كثيراً من الحركات المسلحة استطاعت استنزاف الدول، لكنها أخفقت في تغيير موازين القوى.

ولذلك فإن الحكم على مستقبل هذه الورقة ينبغي ألا يقوم على الانطباعات، بل على مؤشرات قابلة للقياس، أبرزها انتقال الفصائل من تنفيذ عمليات متفرقة إلى السيطرة المستدامة على مناطق داخلية، وظهور دعم خارجي منظم يتجاوز الاتصالات المحدودة إلى إسناد سياسي أو لوجستي أو مالي أكثر انتظاماً، واتساع التصدعات داخل مؤسسات الدولة الإيرانية بما يقلص قدرة الحرس الثوري على فرض السيطرة على الأطراف. وإذا اجتمعت هذه العناصر، أمكن الحديث عن تحول استراتيجي حقيقي، أما إذا بقيت غائبة، فسيظل الحديث عن "ورقة بلوشية" صاعدة أقرب إلى وهم استراتيجي منه إلى واقع يفرض نفسه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.