: آخر تحديث

حين انتصرت الحكمة فهل تنتصر السياسة؟

3
4
4

في عالم أنهكته الحروب، وأثقلت كاهله الأزمات الاقتصادية، لم يعد خبر تأجيل هجوم عسكري مجرد حدث عابر في نشرات الأخبار، بل أصبح بارقة أمل لملايين البشر الذين أنهكتهم لغة التصعيد، وتطلعت قلوبهم إلى أن تسبق الحكمة صوت المدافع.

لقد وقفت دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، منذ بداية التوترات، موقفًا ثابتًا ومسؤولًا، ينطلق من إيمانها بأن الأمن لا يتحقق بالحروب، وأن استقرار المنطقة ليس مطلبًا خليجيًا فحسب، بل مصلحة دولية ترتبط بها أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وسلامة الملاحة، واستقرار الاقتصاد العالمي.

ولم تكن التحركات السياسية والاتصالات المكثفة التي قادها قادة دول المجلس، ومن بينها الاتصال الذي أجرته القيادة السعودية بالرئيس الأميركي، مجرد مواقف بروتوكولية، بل جاءت امتدادًا لنهج خليجي راسخ يقوم على احتواء الأزمات قبل انفجارها، وإعطاء الدبلوماسية فرصتها الأخيرة قبل أن تتكلم الأسلحة.

لقد أدرك قادة الخليج أن أي مواجهة واسعة لن يكون لها منتصر حقيقي، فالخسائر لن تتوقف عند حدود الدول المتحاربة، بل ستمتد إلى شعوب المنطقة كافة، وستطال الاقتصاد العالمي، وستنعكس على أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية، وعلى حياة الإنسان البسيط الذي لا ذنب له إلا أنه وجد نفسه في منطقة تتنازعها الأزمات.

ومن هنا، فإن الحفاظ على انسياب الملاحة في مضيق هرمز ليس مطلبًا خليجيًا فحسب، بل مسؤولية دولية، لأن هذا المضيق الحيوي يمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، وأي اضطراب فيه يدفع العالم كله ثمنه.

واليوم، وبعد أن فُتحت نافذة جديدة لخفض التصعيد، يبرز سؤال مشروع يفرض نفسه على الجميع: هل ستتعامل إيران مع هذه اللحظة باعتبارها فرصة تاريخية للعودة إلى لغة العقل، أم ستعتبرها هدنة مؤقتة تعود بعدها المنطقة إلى دوامة التوتر؟

إن حسن الجوار لا يُقاس بالشعارات، وإنما بالمواقف، واحترام السيادة لا يتحقق بالتصريحات، وإنما بالأفعال، والشعوب الإيرانية، كما شعوب المنطقة جميعًا، تستحق أن ترى مواردها تُوجَّه إلى التنمية والتعليم والصحة، لا إلى استمرار الأزمات التي لم تجلب إلا الخسائر والعزلة واستنزاف الطاقات.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب، مهما طالت، لا تصنع استقرارًا دائمًا، بينما تصنع الحكمة ما تعجز عنه الترسانات العسكرية، ولذلك، فإن ما شهدناه من جهود سياسية ودبلوماسية خلال الأيام الماضية ينبغي أن يكون بداية لمسار جديد، لا استراحة قصيرة تسبق جولة أخرى من التصعيد.

خاتمتي

إنَّ التاريخ لا يخلّد من أشعل الحروب، بل يخلّد من أطفأ نيرانها.

واليوم، وبعد أن اختار الخليج طريق الحكمة، وفتح أبواب الحوار، وسعى بكل مسؤولية إلى تجنيب المنطقة مواجهة جديدة، فإن الفرصة أصبحت سانحة أمام الجميع لكتابة صفحة مختلفة عنوانها السلام، والاحترام المتبادل، وحسن الجوار.

فالمنطقة لم تعد تحتمل حربًا جديدة، والشعوب سئمت لغة التهديد، والعالم بأسره يتطلع إلى شرق أوسط تُفتح فيه الموانئ بدلاً من أن تُغلق، وتتحرك فيه السفن بأمان، ويُستثمر فيه المال في البناء، لا في الدمار.

ونسأل الله أن يحفظ وطننا، المملكة العربية السعودية، ودول مجلس التعاون الخليجي، وسائر الدول العربية والإسلامية، وأن يجنّب منطقتنا الفتن والحروب، وأن يُلهم الجميع الحكمة، ويجعل الحوار سبيلًا، والسلام غاية، والأمن نعمة دائمة تنعم بها الأوطان والشعوب.

اللهم آمين، يا رب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.