: آخر تحديث

نهاية عصر الخبرة المتراكمة

3
3
2

لوقت طويل، كانت الخبرة تعمل وفق معادلة بسيطة: كلما رأيت أكثر، وعملت أكثر، عرفت أكثر. ولهذا كانت السنوات تمنح أصحابها ميزة يصعب اختصارها. وقيمة المدير كانت تأتي من ذاكرته قبل منصبه، لأنها تحمل ما لا يوجد في الكتب: أخطاء سابقة، ومواقف متشابهة، وقرارات نجحت، وأخرى كان ثمنها مرتفعاً. وكانت المنظمات، بشكل أو بآخر، تكافئ هذا التراكم. فالمعرفة تحتاج إلى وقت، والخبرة كانت ثمرة ذلك الوقت.

الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر هذه المعادلة من جهة قلّما يُلتفت إليها. فالحديث الشائع عن حلوله محل الخبرة البشرية يغطي على ما يفعله فعلاً. أنه يفصل للمرة الأولى بين المعرفة والزمن. فما كان يحتاج إلى سنوات من البحث والقراءة والمقارنة، يمكن الوصول إلى جزء كبير منه خلال دقائق. يستطيع موظف في بداية مسيرته أن يدخل اجتماعاً ومعه تحليل لعشرات التقارير، ومقارنة بين تجارب دولية، وسيناريوهات متعددة، وحجج مؤيدة ومعارضة لفكرته. المسافة المعرفية التي كانت تفصل بين المبتدئ والخبير لم تختفِ، لكنها أصبحت أقصر بكثير.

وهنا يحدث تحول أعمق مما يبدو. فالمنظمات بُنيت تاريخياً على هرم للمعرفة: في الأعلى من يعرف أكثر، وفي الأسفل من لا يزال يتعلم. وكان التقدم المهني يعني، ضمن أشياء أخرى، الانتقال التدريجي من تلقي المعرفة إلى امتلاكها، ومن طلب الإجابات إلى تقديمها. أما اليوم فقد أصبح جزء متزايد من تلك المعرفة متاحاً للجميع، وفي اللحظة نفسها تقريباً. وحين تنبسط قاعدة المعرفة على هذا النحو، لا ينهار الهرم، لكن الدرجات فيه لم تعد تفصل بينها المسافة نفسها.

الذكاء الاصطناعي يختصر الوصول إلى المعرفة، ولا يختصر بالضرورة القدرة على الحكم عليها. يقدّم عشرة خيارات دون أن يتحمل عواقب اختيار أحدها. وقد يجد نمطاً في آلاف الحالات السابقة، ثم تكون الحالة التي أمامنا هي الاستثناء الذي لا ينبغي إخضاعه للنمط، وهو ما قد لا يدركه. وقبل هذا كله، لا يضمن لك أن ما قدّمه صحيح؛ فجزء من الجهد الذهني الذي وفّره عاد إليك بصيغة أخرى، وهي التحقق مما قال. حتى الوصول إلى المعرفة صار يحتاج إلى حكم.

الخلاصة: قد لا نكون أمام نهاية عصر الخبرة، بقدر ما نحن أمام نهاية تعريف قديم لها. سنوات العمل لن تفقد قيمتها، لكنها ستفقد قدرتها على إثبات القيمة بمفردها. فحين تتساوى القدرة على الوصول إلى المعرفة، تبدأ قيمة الإنسان في ما لا تمنحه المعرفة وحدها وهي الحكم والتقييم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد