: آخر تحديث

الردع لمن والدعم لمن؟

3
3
2

وردت الفقرة التالية في مقال أمس: من لا يمتلك أذنا موسيقية لن يصبح موزارتَ آخر. وبالتالي فإن المؤشر على درجة وعي المجتمع ليس بنوع نظامه، ولا بعدد دور العبادة ولا أعداد المؤمنين، بل بمدى حاجة هذا المجتمع واقعيا إلى مؤسسات الردع وعناصر الأمن والداخلية وما إلى ذلك. فكلما قلّت حاجته لها، كان ذلك دليلا على تقدم وعيه.

* * *

كتبت الفقرة أعلاه فتذكرت حادثة وقعت معي عام 1970 عندما أصبحت مديرا لفرع بنك الخليج، في شارع فهد السالم. ففي الأسبوع الثاني من عملي تلقيت مظروفا كبيرا عليه التحذير الصارم التالي: «خاص وسري»، لانتباه السيد مدير الفرع، فقط. تبين أن المظروف يحتوي على تقارير الأداء السنوية، التي مطلوب تعبئتها، وإعادتها للإدارة، ليتم على أساسها اتخاذ قرارات الترقية وزيادات الرواتب وغيرها من قرارات.

قرأت التقرير بتمعن، وعرفت، لأول مرة، وبعد سنوات من عملي في البنك، ما تريده أو تتوقعه الإدارة من الموظف، وهو أمر كنت دائما أسعى له، ولم أوفق إلا حينها؛ لذا، قررت مشاركة كل موظفي البنك بمحتويات ذلك التقرير، لتكون لديهم فكرة واضحة عما تريده الإدارة العليا منهم، وهذا حقهم، خاصة آخر فقرة من التقرير التي على المدير الإجابة عنها في ما يتعلق بمدى حاجة الموظف للمتابعة والرقابة، فقلما قل ذلك، حصل على درجة أعلى. وهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم، في الغالب، وصف البروفيسور سافلييف بأنهم أصحاب التفكير الثالثي الاختياري الحر الذي يتيح لهم اتخاذ مواقف واعية، من كل ما يجري من حولهم، وبالتالي ليسوا بحاجة لرادع، أو شرطة، وقوانين صارمة تجبرهم على الالتزام والتصرف السليم، فهم بطبيعتهم لن يؤذوا أو يظلموا أحدا، نتيجة حس المسؤولية العالي لديهم، وهؤلاء عادة لا تلاحقهم الشرطة، ويمكن تكليفهم بأداء مهام مختلفة، وغالبا سينجزونها، بطريقة صحيحة.

بعد دقائق فقط من توزيع صورة التقرير السنوي على موظفي الفرع، وصل الخبر للإدارة العليا، وتلقيت اتصالا من نائب المدير العام، البريطاني، يلومني على ما فعلت، فبينت له وجهة نظري، ويبدو أنه اقتنع بما قلت، فشكرني على ما فعلت، منهياً المكالمة بسرعة، ليبقى الشرق شرقاً والغرب غرباً.

* * *

بعدها بعقود عدة، وبعد أن قررت التخلي، طوعاً، عن إدارة مصالحي التجارية لابني، قلت له ليست لدي أي نصيحة، ولن أطالبك بالحفاظ على سمعتي التي بذلت الكثير وتنازلت عن الأكثر في سبيل الحفاظ عليها، بل أطالبك بأن تنفذ لي طلبا واحدا، لاغير؛ فعندما تجد نفسك، في ليلة حالكة السواد، عائدا للبيت، وأنت تشعر بالإرهاق والنعاس، ووجدت U Turn، أو الدوران للخلف، لكنه غير قانوني، فلا تستخدمه، حتى لو كان الدوران التالي على بعد عشرة كيلومترات. افعل ذلك حتى لو كان الشارع خاليا من أي إضاءة، ولا وجود لبشر أو شرطة، ولا حتى كاميرات تصوير، والوقت متأخر، والليلة ممطرة، حينها دع ضميرك يقودك ويكون رقيبك، وليس الخوف من إشارة مرور أو شرطي أو غير ذلك، فلا تفعل إلا ما هو صحيح، في كل الأحوال، وستعيش مطمئناً، غير خائف من أي طرق على باب بيتك.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد