: آخر تحديث

المغرب… دولة تُعزز نفوذها بصمت

1
1
1

 

لا تُقاس قوة الدول بعديد جيوشها فحسب، ولا بحجم خطابات قادتها، ولا بقدرتها على رفع سقف الشعارات على المنابر الدولية. إلا أن القوة الحقيقية تبدأ عندما تحدد أي دولة أولوياتها، وكيفية الاستثمار في موقعها الجغرافي، ناهيك عن تحقيق استقرار سياسي ومدى قدرتها الاقتصادية على إرساء نفوذ مستدام لا يعتمد على الضوضاء بقدر ما يعتمد على الثقة، والقدرة على الوفاء بالالتزامات، وتحويل المصالح الوطنية إلى سياسة خارجية متماسكة.

من هذا المنظور، يمكن استكشاف مكانة المغرب التي يسعى هذا البلد إلى ترسيخها على الساحتين الإقليمية والدولية. فلا يبدو أن الرباط تنوي تقديم نفسها كدولة تحمل مشروعًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود، أو تدّعي التحكم بمصير الآخرين، بل تتحرك انطلاقًا من إدراك واضح لمصالحها، ومن قناعة بأن السياسة الدولية ليست مسابقة في البلاغة، وإنما هي عملية تفاوض مستدامة، وبناء الشراكات، وتعزيز عناصر القوة الوطنية.

يظهر هذا النهج بأوضح صوره في إدارة ملف الصحراء المغربية. فالرباط لم تتعامل مع القضية باعتبارها مناسبة لرفع الشعارات أو استعراض مشاعر الغضب، بل كملف وطني يحتاج إلى تضافر الجهود السياسية والاقتصادية والدبلوماسية طويلة الأمد. كما سعت، إلى حد بعيد، إلى إبقاء هذا الملف ضمن إطار بناء الدولة وتعزيز حضورها الدولي، بدل تحويله إلى أداة ثابتة لتعبئة الداخل أو إلى بديل عن الإصلاح والتنمية.

ولعل ما يميز هذه المقاربة أنها لم تراهن على تغيير مواقف العالم عبر تكرار خطابها، بقدر ما راهنت على تغيير مصالح العالم تجاه المغرب. فالدول لا تعيد صياغة سياساتها الخارجية استجابةً للبلاغة السياسية وحدها، وإنما عندما تجد شريكًا مستقرًا، واقتصادًا توسعيًا، واستثمارات تراكمية، وعلاقات تحقق لها قيمة استراتيجية. ومن هنا، يمكن فهم تبدل الموقف الدولي من قضية الصحراء باعتبارها ثمرة مسار طويل من بناء النفوذ، لا مجرد نتيجة لحملات دبلوماسية أو إعلامية.

وربما تكمن المفارقة الأهم في أن كثيرًا من دول المنطقة تعاملت مع قضاياها الوطنية بوصفها مبررًا دائمًا لتأجيل الإصلاح، فيما يبدو أن المغرب حاول، في مقاربته العامة، أن يعكس المعادلة: فكلما ازدادت قوة الدولة اقتصاديًا ومؤسساتيًا، ازدادت قدرتها على الدفاع عن مصالحها الوطنية في الخارج. فالنفوذ لا يُستمَد من الخطابات، بل يُبنى في الداخل، ثم يُترجم إلى مكاسب في السياسة الخارجية.

ويبدو أن هذا التصور ينسجم مع ما ورد في خطاب الملك محمد السادس الأخير بمناسبة عيد العرش، الذي أعاد التأكيد على تنويع الشراكات وربط المكانة الدولية للمغرب بقدرته على النمو والإنتاج والاستثمار. وبعيدًا من اللغة الاحتفالية التي ترافق مثل هذه المناسبات، فإن الرسالة الأهم تتمثل في اعتبار الاقتصاد والاستقرار جزءًا من أدوات السياسة الخارجية.

فالدولة التي لا تنتج، ولا تستثمر في بنيتها التحتية، ولا تتمتع مؤسساتها بالاستقرار، يصعب عليها أن تكون شريكًا حقيقيًا، مهما امتلكت من سفراء أو رفعت من سقف خطابها السياسي. وفي المقابل، يبدو أن المغرب يسعى إلى تحويل الصناعة، والسياحة، والبنية التحتية، وموقعه بين إفريقيا وأوروبا، إلى عناصر نفوذ دبلوماسي لا تقل أهمية عن الاتفاقيات السياسية التقليدية.

وربما يبقى المعيار الحقيقي لنجاح هذه المقاربة خارج السياسة نفسها. فالدبلوماسية، مهما حققت من اختراقات، لا تكتسب معناها إلا عندما تنعكس على حياة المواطن. إذ أنه من المفترض أن يكون الإنسان المغربي المستفيد الأول من تنويع الشراكات، وجذب الاستثمارات، وتعزيز مكانة بلاده الدولية. وعندما تتحول هذه السياسات إلى استحداث فرص عمل، وتحسين التعليم، وتوفير خدمات أكثر كفاءة، تصبح السياسة الخارجية امتدادًا للتنمية، لا مجرد نجاح في إدارة العلاقات الدولية.

في هذا السياق، لا تأتي مكانة المغرب الخارجية من قدرته على فرض نفسه بالقوة، بل من محاولته أن يصبح دولة يصعب تجاوزها. فالدول لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون الأقوى كي تكون مؤثرة؛ يكفي أحيانًا أن تصبح دولة يحتاج إليها الآخرون، لا دولة يضطرون إلى التعامل معها فقط. وفي عالم يتسم بتبدل التحالفات، وعودة السياسات الحمائية، والبحث عن سلاسل توريد أكثر أمنًا، تتحول هذه المكانة إلى مصدر قوة بحد ذاتها.

ولهذا، يسعى المغرب إلى تنويع شراكاته وعدم الارتهان لمحور واحد. وهذا التنويع ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل أحد أشكال السيادة. فكلما اتسعت شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية، ازدادت قدرة الدولة على التفاوض، ورفض الضغوط، وحماية مصالحها. ومن هنا، تبدو البراغماتية المغربية أقرب إلى إدارة الخيارات منها إلى التخلي عن المبادئ، إذ تجعل السياسة الخارجية وسيلة لخدمة الدولة، لا ساحة لاستعراض المواقف.

وهذا الفارق يكتسب أهمية خاصة في منطقة اعتادت أن تعاين دولًا تستنزف مواردها في صراعات لا تخدم شعوبها، أو تربط سياساتها الخارجية بمشاريع أيديولوجية تنتهي غالبًا بإضعاف الدولة نفسها. في المقابل، تبدو المقاربة المغربية أكثر هدوء: الأمن من أجل الاستثمار، والاستثمار من أجل النمو، والنمو من أجل تعزيز السيادة، والسيادة من أجل توسيع هامش القرار السياسي.

لكن الاعتراف بواقعية هذا النهج لا يعني التعامل معه وكأنه قصة نجاح مكتملة. فالدبلوماسية الاقتصادية لا تكون مستدامة إذا لم تنعكس نتائجها على المجتمع. والاستقرار لا يمكن أن يبقى مجرد عنوان خارجي لجذب المستثمرين، بل يجب أن يترجم إلى استحداث فرص عمل، وتحسين التعليم والخدمات، وتقليص الفوارق بين المناطق، وتوسيع قدرة المواطنين على المشاركة في الثروة الوطنية.

كما أن التحول إلى شريك مطلوب دوليًا لا يكفي بحد ذاته. فالسؤال الأهم هو: إلى أي مدى تتحول الاستثمارات الأجنبية إلى معرفة محلية، وتكنولوجيا، وكفاءات، وشركات مغربية قادرة على المنافسة؟ فهذه الأسئلة لا تنتقص من التجربة المغربية، بل تحميها من التحول إلى دعاية رسمية، وتؤكد أن نجاح السياسة الخارجية يقاس، في نهاية المطاف، بقدرتها على تحسين حياة المواطنين.

لذلك، لا يدعي المغرب أنه يريد تغيير العالم، ولا يقدم نفسه باعتباره نموذجًا مكتملًا. لكنه يُعد مثالًا على محاولة وضع سياسة خارجية تنطلق من تعزيز عناصر القوة داخل الدولة، لا من التعويض عن غيابها. فالسياسة الخارجية، في نهاية المطاف، ليست فنَّ رفع الصوت، بل فنَّ توسيع هامش الدولة. وربما هذه هي العبرة الجوهرية التي يمكن استخلاصها من التجربة المغربية: أن النفوذ الحقيقي لا تصنعه الشعارات، بل الدولة عندما تنجح في بناء نفسها أولًا، ثم تجعل من هذه البنية مصدرًا لقوتها في الخارج.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.