مؤسسة في إسرائيل اسمها «عقل إسرائيل»، جمعت مائة خبير لبحث الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلّق بمستقبل إسرائيل، وتحديد مسارها المُقبل، ومصير الإنسان الإسرائيلي، والغد الإسرائيلي.
نشرت هذه الجريدة خلاصة تقرير هذه المؤسسة، وما الأساسات التي انشغلوا في بحثها، أفنير غولوب، هو نائب رئيس هذه المؤسسة، قال: «إذا لم نعالج هذه الأساسات، فلن نفقد أن نكون قوة عظمى وحسب، بل إن كل المبنى سينهار».
الخبراء صاغوا 6 مسائل حرجة تحتاج إلى حسم مهم فوري، وقال رئيس المؤسسة، اللواء احتياط عاموس يدلين، إنهم ينوون عرضها على الجمهور، وحدّدها في: «المكانة الإقليمية لإسرائيل، جودة رأس المال البشري، العلاقات المتبادلة بين الاقتصاد والأمن، الحوكمة والمناعة القومية، التغييرات الديمغرافية في البلاد، العلاقات بيننا وبين الولايات المتحدة».
قدّم غولوب هذا البحث قائلاً: «راجعنا الأدبيات، ورأينا أن الحضارات لا تُصفّى من الخارج، بل تنتحر. لم تُحتّل أي حضارة من الخارج حين تكون قوية. بل سياقات داخلية تحصل لها، تفكّكها. وغير مرة يأتي من الخارج ما هو بمثابة المسمار الأخير في نعشها. الوصفة لدمار الحضارة تتضمن تآكلاً في وحدة الصف الاجتماعية، ومسّاً بالثقة بمؤسسات الدولة، وتفضيلاً للربح السياسي قصير المدى على الربح القومي بعيد المدى، وجموداً فكرياً يصعب معه التكيّف».
بالنسبة لي من المُهمّ معرفة ديناميكيات التفكير والحركة في داخل العقل الإسرائيلي، حتى وإن كنّا في حرب، سياسية أو عسكرية، مع إسرائيل، وهو عقل «لكل» إسرائيل، وليس لحزبٍ ما أو شخصية سياسية بعينها.
هي دولة في صميم جغرافيتنا، وأكيد أن ما ستبحثه وتستخلصه عقولها، حول المستقبل الحضاري والسياسي، يعنينا مباشرة.
لكن ليس هذا فقط ما يُسوّغ التنويه بهذا التقرير وبهذه المؤسسة، وبتلك النخبة، بل الفكرة ذاتها، النهج نفسه، هل يوجد له نظائر في ديارنا العربية؟!
هل توجد مؤسسة تشبه مؤسسة «عقل إسرائيل» هذه في دولنا العربية؟ّ
مؤسسات يندرج فيها الخبراء وتذوب فيها الخبرات المتراكمة، والعقول الناضجة، مع الأرواح الشابّة المتوثبّة، في وعاءٍ واحد، لبحث سؤالٍ واحد: وماذا بعد؟!
لدينا عقول نيّرة وأرواح نقيّة يهمّها الصالح العامّ، وليست نفوساً «تكتيكية» انتهازية سطحية عجولة، بل أرواحٌ وعقولٌ تنظر في التجريد الأعلى، الوطن والقومية، وهو المعراج الأسمى الذي «تتكوكب» حوله كل الأشياء.
مثلاً، في المغرب الأقصى، كان المُفكّر والمؤرخ المغربي الكبير، عبد الله العروي، من أثمن وأعمق وأصدق من ساهم في نحت وجه الهُويّة الوطنية المغربية وأقامها على أعمدة كثيرة، مثل اللغة والدين والجغرافيا.
وبعدُ، يستهلك الإعلامُ العربي كثيراً من الكلام عن القوّة الإسرائيلية العسكرية والاستخبارية والتكنولوجية والإسناد الأميركي، لكن قِلّة قليلة من يلتفتُ لهذا المستوى من القوة الإسرائيلية: العقل!

