: آخر تحديث

داعش الخوارزميات… حين يتحول الإرهاب إلى كود

1
1
1

قبل سنوات، كان العالم يعرف عدوه جيداً ، كان يحمل اسماً ، وراية سوداء ، وحدوداً جغرافية يبسط عليها نفوذه بالقوة ، ويعتمد على معسكرات تدريب وخطوط إمداد ووسائل اتصال يمكن تتبعها ، هذا عندما كان الإرهاب يحتاج إلى مكان، وقيادة، وأموال، ومقاتلين…!

أما اليوم، فإن أخطر نسخة قد لا تشبه كل ذلك قد بدأت فعلا بالتشكل ، الخطر القادم لا يرتدي حزاماً ناسفاً ، ولا يحمل بندقية، ولا يختبئ في جبل أو صحراء ،  بل يعيش داخل خادم إلكتروني، أو نموذج ذكاء اصطناعي، أو شبكة من الخوارزميات القادرة على الوصول إلى ملايين البشر في اللحظة نفسها.

إنها المرحلة التي أطلق عليها  (داعش الخوارزميات)…!

ليس المقصود تنظيماً بعينه، بل فكرة أكثر خطورة: أن تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مضاعف هائل لقدرات الجهات المتطرفة إذا أسيء استخدامها.

لقد أثبت التاريخ أن كل ثورة تقنية حملت معها وجهين؛ أحدهما يبني الحضارة، والآخر يحاول استغلالها. الكهرباء أنارت المدن، لكنها استُخدمت أيضاً في الحروب. الإنترنت قرّب العالم، لكنه فتح أبواباً جديدة للجريمة المنظمة والتطرف. واليوم، الذكاء الاصطناعي ليس استثناءً.

تخيل تنظيماً لا يحتاج إلى آلاف المجندين، لأن آلاف الوكلاء البرمجيين يعملون نيابة عنه ولا يحتاج إلى خطباء، لأن نماذج اللغة تستطيع إنتاج ملايين الرسائل المصممة لكل شخص بحسب عمره، واهتماماته، ولغته، ونقاط ضعفه النفسية ولا يحتاج إلى استوديوهات إعلامية، لأن أدوات توليد الصور والفيديو قادرة على إنتاج محتوى يبدو حقيقياً خلال دقائق ، ولا يحتاج إلى جيش إلكتروني من البشر، لأن آلاف الحسابات المؤتمتة تستطيع احتلال الفضاء الرقمي في وقت قياسي.

هنا تتغير طبيعة المعركة بالكامل ، في الماضي، كانت أجهزة الأمن تبحث عن الأشخاص ، أما في المستقبل، فقد تضطر إلى البحث عن الخوارزميات.

الفرق بين الإرهاب التقليدي والإرهاب الخوارزمي يشبه الفرق بين سكين وطابعة صناعية للأسلحة. كلاهما قد يُستخدم في الأذى، لكن قدرة الثاني على التوسع والانتشار أكبر بكثير.

الأخطر أن الخوارزمية لا تشعر بالتعب، ولا تحتاج إلى نوم، ولا تتردد، ولا ترتكب أخطاء بشرية بالطريقة نفسها ، إنها تعمل على مدار الساعة ، تتعلم وتتطور وتعيد المحاولة ملايين المرات.

قد يصبح كل هاتف ذكي ساحة معركة ، ليس لأن الهاتف خطر في حد ذاته، بل لأن المحتوى الموجه يمكن أن يُصمم بدقة غير مسبوقة لاستهداف كل فرد على حدة. ما يصل إلى شخص قد لا يصل إلى آخر، والخطاب قد يُفصل حسب العمر أو الثقافة أو الميول، وهو ما يزيد من قدرة الجهات المتطرفة على التأثير إذا امتلكت هذه الأدوات.

ولعل أخطر ما في (داعش الخوارزميات) أنه لا يحتاج إلى احتلال مدينة ويكفيه احتلال العقول ولن يسعى للسيطرة على مبنى حكومي، بل على نتائج البحث، وخلاصات الأخبار، ومنصات التواصل، ومساحات النقاش الرقمي.

وهنا تصبح الحرب النفسية أكبر من الحرب العسكرية بل إن بعض الخبراء يحذرون من أن المستقبل سيشهد موجات تضليل واسعة تعتمد على الفيديوهات المزيفة والصوت الاصطناعي والحسابات الآلية، بحيث يصبح التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة، ما يضع المجتمعات أمام تحديات أمنية وإعلامية جديدة.

هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي خطر بطبيعته على العكس، يمكن أن يكون أحد أهم أدوات مكافحة الإرهاب، عبر تحليل البيانات، ورصد الأنماط، وكشف الشبكات، وتسريع الاستجابة، وتعزيز الأمن السيبراني ، لكن القيمة الأخلاقية للتقنية تعتمد على كيفية استخدامها ، ولهذا فإن السباق الحقيقي لن يكون بين الإنسان والآلة، بل بين الاستخدام المسؤول والاستخدام الإجرامي للآلة.

الدول التي ستنتصر في العقود المقبلة ليست فقط تلك التي تمتلك أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً تلك التي تضع أطراً قانونية وأخلاقية وتقنية تمنع إساءة استغلالها، وتستثمر في الأمن السيبراني، ومحو الأمية الرقمية، والتعاون الدولي.

التاريخ يعلمنا أن تجاهل التهديدات الجديدة لا يلغي وجودها والتقليل من شأنها يجعل كلفة مواجهتها أعلى لاحقاً.

لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل سيظهر (داعش الخوارزميات)…؟

بل: هل نحن مستعدون لمنع أي جهة متطرفة أو إجرامية من تحويل الخوارزميات إلى سلاح واسع التأثير؟

لقد تغيّرت طبيعة القوة وتغيّرت طبيعة الحرب وربما يتغير أيضاً تعريف الإرهاب.

لذلك، فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي الآمن، والحوكمة الرشيدة، والتعليم، والتعاون بين الحكومات وشركات التقنية، لم يعد ترفاً، بل جزءاً من منظومة الأمن الوطني.

فالقرن الحادي والعشرون لن يُقاس فقط بعدد الدبابات أو الطائرات، بل أيضاً بجودة الخوارزميات التي تحمي المجتمعات، وبالقدرة على منع تحويلها إلى أدوات للتطرف والعنف.

وانا شخصيا ارى التحذير الأهم :

إذا كان العالم قد احتاج سنوات طويلة لهزيمة تنظيمٍ يملك أرضاً ومقاتلين… فكيف ستكون المواجهة مع تطرفٍ لا يحتاج إلا إلى خوارزمية، واتصال بالإنترنت، وملايين الشاشات؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.