: آخر تحديث

مصادرة الإسلام

4
3
2

بدأت التأويلات المختلفة للنص القرآني والسنة النبوية تتشكل في المجال الإسلامي منذ عصر الخلفاء الراشدين. مع امتداد الزمن، ظهرت مدارس كلامية وفقهية ومذاهب متعددة، حمل كل منها تصورًا خاصًا للعقيدة والشريعة والإنسان والمجتمع. إذ إن الإسلام، في تاريخه الطويل، لم يكن تفسيرًا واحدًا مغلقًا، بل كان مجالًا واسعًا للاجتهاد والاختلاف والتأويل. وكلما ابتعدنا عن عصر التأسيس، ازدادت القراءات وتنوعت، حتى نشأت مذاهب واتجاهات ترى كل واحدة منها أنها الأقرب إلى الإسلام الصحيح، إسلام عصر النبوة والخلفاء الراشدين.

إن تنوع القراءات والمذاهب في الإسلام لا يمكن أن يكون، من حيث المبدأ، مشكلة. المشكلة تبدأ حين يتحول أي اعتقاد إلى ادعاء احتكار. فبعض المذاهب والقراءات لا تكتفي بتقديم فهمها كاجتهاد ديني، وإنما تنصّب نفسها معيارًا للإسلام ذاته، فتجعل مخالفتها خروجًا عن الدين، ونقدها نقدًا للإسلام، والاعتراض على شيوخها اعتراضًا على الوحي. وفي أقصى هذه الدائرة يظهر التكفيريون، ومن بينهم التيارات الجهادية العنفية التي حولت تأويلًا دينيًا إلى مشروع للعنف والقتل وإخضاع المجتمعات.

من بين هذه التيارات ما يسميه أصحابه "الدعوة السلفية". ويشار إليها اختصارًا بالسلفية، وهذه السلفية نفسها نتجت عنها سلفيات عديدة، تتدرج بين السلفية الجهادية المطلقة التي تكفّر المجتمعات العربية الإسلامية، وليس الحكام فقط، والسلفية التي تتبنى الدعوة السلمية، وسلفية متصالحة مع الحكومات، وتشكل أحد أذرعها.

غير أن السلفية، في صورتها الدعوية المعاصرة، تثير سؤالًا آخر بعيدًا عن الجهاد والتكفير والعنف: ما الذي بقي من الإسلام في خطابها اليوم؟ وما الذي يراه دعاة هذا الاتجاه جديرًا بالدفاع عنه، وما الذي يتركونه خارج اهتمامهم؟

الإسلام الذي يختصر في المرأة

يصعب على المتابع لخطاب الدعاة السلفيين ألا يلاحظ أن المرأة تحتل مساحة استثنائية فيه، بل تحتله كله معظم الوقت. الحجاب والنقاب والعباءة، وطريقة الاختلاط، وصوت المرأة، وموسيقاها، وحضورها في المجال العام، كلها تتحول إلى قضايا مركزية، كأن صلاح المجتمع يبدأ وينتهي عند جسد المرأة ولباسها وحركتها.

لا يتعلق الاعتراض هنا بمناقشة حكم فقهي بعينه، ولا بحق أي مسلم في اختيار التزامه الديني. المسألة تتعلق بتحويل الدين كله إلى منظومة رقابة على المرأة، بحيث تتراجع أمامها قيم أخرى يفترض أن تكون في صميم التدين، الصدق، والأمانة، وأداء الحقوق، والعدل، ورفع الظلم، ورعاية الضعفاء، وإغاثة المحتاج، وصيانة كرامة الإنسان.

تجاوزتُ نصف قرن من العمر، ولم أسمع الحماسة التي يبذلها الدعاة السلفيون في قضايا الحجاب والنقاب ولباس المرأة، في قضايا أخرى. حملات سلفية واسعة تدعو إلى تنظيف الشوارع، أو تشجير المدن، أو دعم تعليم الأطفال الفقراء، أو رعاية المرضى العاجزين، أو إنشاء مبادرات مستدامة لإغاثة المحتاجين، أو محاربة الفساد، أو الدفاع عن المظلومين حين يكون الظلم صادرًا عن سلطة أو جماعة نافذة. ربما وجدت مبادرات فردية أو مؤسسات خيرية تنتمي إلى بيئات سلفية، ولا يصح إنكارها، غير أن السؤال يظل قائمًا عن مركزية هذه القضايا في الخطاب الدعوي العام للسلفية، وعن التفاوت الهائل بين ما يُعدّ خطرًا دينيًا وما يُترك على هامش الاهتمام.

تبدو المفارقة أكثر وضوحًا حين يبلغ الانشغال بالتفاصيل حدًّا عبثيًا: تحريم الموسيقى، وتشديد الرقابة على الحفلات، واعتبار صوت المرأة عورةً، وتفتيش الأجساد عمَّ تلبس، بينما تغيب أسئلة الفقر والعدالة والتعليم والبيئة من المنبر ذاته. تصبح الوردة الحمراء التي تُهدى في علاقة حب قضية عقائدية، في حين تمر قضايا الإنسان، بما فيها الظلم الاجتماعي، دون ضجة أو ذكر.

تبشير داخل الدائرة

هناك مفارقة أخرى في مشروع هذه الدعوة. فهي ترفع شعار العودة إلى الإسلام الأول، وتقدم نفسها كحركة تصحيحية عالمية في الإسلام والدعوة إليه. إذ إن نشاطها الدعوي ينحصر داخل المجتمعات المسلمة. إنها تبشر المسلمين بإسلامها، وتعيد ترتيب إيمانهم وفق معاييرها، وتلاحق تفاصيل حياتهم اليومية بحثًا عن مخالفة تستوجب التصحيح.

ربما وُجد بعض الأفراد السلفيين، وهم خارج التيار العام، ينشطون خارج العالم الإسلامي. غير أن الملاحظة تتعلق بطبيعة الخطاب الغالب وأولوياته، الجهد الأساسي والحملات الأساسية تُبذل في إعادة تشكيل المسلم الموجود أصلًا في قضايا هامشية في الحياة، أكثر مما يُبذل في تقديم رسالة الإسلام إلى العالم، كرسالة أخلاقية وإنسانية تخاطب الإنسان المعاصر في مواضيع أساسية من حياته، العدل، والأخلاق، وحسن الجوار.

عشت في أوروبا، وشاهدت مبشري شهود يهوه يطرقون الأبواب، ويتحدثون بلغات متعددة، ويقدمون عقيدتهم للناس في المجال العام. قد يختلف المرء جذريًا مع عقيدتهم، لكنه يلاحظ أنهم يذهبون إلى الآخرين. أما التيار الرئيسي للدعاة السلفيين، فمشروعه أقرب إلى بيع الماء في حارة السقائين، جمهورهم الأساسي مسلمون، ومهمتهم إعادة تعريف إسلامهم، وانتزاع الاعتراف بأن النسخة التي يحملونها هي النسخة الوحيدة الصحيحة.

دعوة بلا رأس مال؟

تقوم صورة الداعية السلفي في الواقع العياني، في بعض البيئات، على معادلة شديدة البساطة، تقصير الثوب، وإطلاق اللحية، وحمل المسواك، وحفظ عدد من الأحاديث، ثم التحدث بإسهاب عن المرأة وعورتها ولباسها وصوتها. لا يحتاج هذا المشروع إلى تكوين في مدارس أو أكاديميات أو مراكز أبحاث، ولا يحتاج الانخراط في مبادرات علمية أو بحثية. يكفي رأس مال رمزي صغير، وشبكة منابر، وجمهور يبحث عن اليقين، حتى يتحول صاحبه إلى سلطة دينية.

ومن الملاحظ عيانيًا تحول هؤلاء الدعاة بعد فترة من بدء دعوتهم إلى أثرياء، حيث يصبحون وعاءً للزكاة والتبرعات من بسطاء الناس وأثريائهم، في ظل غياب الرقابة المالية القانونية على هذه التبرعات التي تجري خارج المسار الرسمي لجمع الأموال وإنفاقها. هذا ما تنبهت له بعض الدول العربية، وبشكل أساسي دول الخليج العربية، في تقنين أمر التبرعات ووجه إنفاقها، بل وحصرها في الجهات الرسمية المرخصة في بعض الدول، ووضع غير الرسمي منها تحت طائلة القانون.

من الضروري التمييز بين نقد اقتصاد الدعوة السلفية وبين إطلاق أحكام كلية على جميع الدعاة. فليس كل داعية سلفي ثريًا، ولا كل من ارتدى لباسًا سلفيًا اتخذ الدين وسيلة للمنفعة، وإن كانت هذه الصورة العامة. النقد الأهم يتجه إلى بنية الخطاب التي تسمح بتحويل التدين إلى امتياز اجتماعي ومصدر سلطة، وإلى ظاهرة بعض الوعاظ الذين يراكمون المال والنفوذ من خلال خطاب لا يحمّلهم مسؤولية حقيقية تجاه المجتمع، بقدر ما يمنحهم سلطة على أفراده.

حين يصير النقد نقدًا للإسلام

المشكلة الأخطر أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتقديم أنفسهم ممثلين لفهم ديني محدد، وإنما يسعون إلى إلغاء المسافة بين جماعتهم والإسلام. فإذا انتقد أحد خطابهم، خرج أنصارهم الإلكترونيون لمساواته بالإسلام، وكأن الاعتراض على فتوى أو شيخ أو تيار اعتراض على القرآن والنبي والدين كله.

هذه آلية مصادرة واضحة وممنهجة، يجري اختزال الإسلام في جماعة، ثم تُستخدم قداسة الإسلام لحماية الجماعة من النقد. يصبح الشيخ فوق المساءلة لأنه يتحدث باسم الدين، ويصبح التيار محصنًا من الاعتراض لأنه يزعم الدفاع عن العقيدة. هكذا ينتقل الإسلام من كونه تراثًا روحيًا وأخلاقيًا مفتوحًا على الاجتهاد إلى ملكية رمزية لجماعة تدّعي حق تمثيله الحصري.

غير أن الإسلام أوسع من السلفية، والمسلمون أكثر تنوعًا من أن يُختزلوا في خطاب واحد. بل إن أكثر من عانى من عنف الجماعات الجهادية السلفية التكفيرية كانوا مسلمين، وأكثر المجتمعات التي دفعت أثمان تطرف هذه الجماعات كانت مجتمعات إسلامية. لا يمكن، إذن، أن يُطلب من المسلمين أن يصمتوا عن نقد تيار يهدد حياتهم وكرامتهم بحجة أن هذا النقد يمس الإسلام.

لستم الإسلام، ولستم المسلمين. أنتم تيار ديني، سواء كان معتدلًا أو متطرفًا، له تاريخه وتأويلاته ومصالحه وحدوده، ومن حق المسلمين، قبل غيرهم، أن يناقشوه وينقدوه ويرفضوا احتكاره للدين. الإسلام فضاء عام في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، يخص المسلمين وغير المسلمين كذلك لتأثيره على حياتهم.

إذن، فهذا التيار، في خطابه الرائج، يصادر الإسلام ويطابق بين الإسلام وبينه، لتحصين نفسه ودعاته وخطابه وفتاويه. الإسلام، كما يعلم الجميع، لم يخوّل أحدًا الحديث باسم الله، ولا باسم نبيه، بل خوّل المسلمين جميعًا الدعوة إلى مكارم الأخلاق، التي بعث النبي لإتمامها، بالموعظة الحسنة. هذا لا يحتاج إلى شيوخ يطلقون على أنفسهم، في بعض الأحيان، "علماء"، يحولون اختلاف الناس معهم إلى خروج على الإسلام. ما يحتاجه المسلمون هو استعادة المجال الإنساني والأخلاقي الرحب للإسلام، حيث يكون الدين دعوة إلى العدل والرحمة والمعرفة والكرامة، لا جهازًا دائمًا لمراقبة المرأة وملاحقة المختلفين.

إن المساجد ومنابرها هي ملكية عامة لعموم المسلمين، وعليه فإن الدولة وحدها لها حق إدارتها وتنظيم شؤونها، بما فيها تعيين الخطباء وعدم ترك المنبر سائبًا لكل من حفظ بضعة أحاديث عن الحجاب والنقاب والموسيقى وصوت المرأة. كما أن حصر الفتوى بالجهات المحددة في الدولة أصبح أمرًا ضروريًا في طول العالم الإسلامي وعرضه.

إن بعض الدول خطت خطوات واسعة في إقرار آليات وقوانين محاسبة لمن يصدر فتوى وهو غير ذي صلة، أو يعتلي منبرًا دون ترخيص، بل حتى على من يستخدم وسائل التواصل في بث خطاب التطرف والفرقة بين أبناء المجتمع، وهذا يجب أن تتبعه عموم الدول الإسلامية إن أرادت ألا يبقى الإسلام مشاعًا يصادره كل من قصّر ثوبه وأطال لحيته وأراد بث خطاب متطرف مفكك للمجتمعات باسم الإسلام. آن لهذه الدوامة أن تنتهي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.