أخطر ما في الحرب القادمة أنها قد تبدأ قبل أن نعرف أنها بدأت، وقد تُحسم قبل أن نرى الجيش الذي خاضها؟
في الفيزياء ثمة مفهوم مثير للتأمل: أن غياب الصورة المألوفة للمادة لا يعني العدم. قد تتغير حالتها، تختفي خصائصها التي اعتدناها، ثم تعود للظهور في صورة أخرى. ومن هنا أستعير مفهوم (اللامادة) لأصف طورًا عسكريًا جديدًا: ليست فيه القوة غائبة، بل تتحول من شيء نراه إلى منظومة تكاد لا تُرى!
الجيوش التي عرفها التاريخ كانت قابلة للعد: دبابات، طائرات، سفن، جنود، مدافع وصواريخ. أما القوة العسكرية التي تتشكل اليوم، فجزء متزايد منها أصبح كامنًا في الخوارزمية والمستشعر والشبكة والفضاء السيبراني والآلة الذاتية والقدرة على جمع ملايين الإشارات وتحويلها إلى قرار، وهنا يبدأ الاستنزاف الجديد!
لم يعد ضروريًا أن تستهلك دبابة بمقذوف أغلى منها، أو ترسل طائرة بمئات الملايين إلى مجال شديد الخطورة. الاتجاه المتنامي هو دفع أعداد كبيرة من الأنظمة غير المأهولة والأقل كلفة نسبيًا إلى الميدان، بحيث يصبح استنزاف دفاع الخصم جزءًا من هندسة المعركة نفسها. البنتاغون سمّى أحد أوجه هذه الفلسفة "الكتلة الدقيقة" Precise Mass، وربطها بدمج أنظمة ذاتية أقل كلفة مع القوات التقليدية، فيما استهدف برنامج Replicator نشر آلاف الأنظمة الذاتية القابلة للمخاطرة عبر مجالات متعددة!
لكن خلف هذا التحول سباق أعمق بين مدرستين: المدرسة الأميركية تنطلق تاريخيًا من التفوق النوعي، ثم تحاول اليوم أن تضيف إليه الكثرة الرخيصة نسبيًا. ولذلك لا تتخلى واشنطن عن الطائرة المتقدمة أو الغواصة أو القمر الصناعي أو الصاروخ بعيد المدى، بل تريد إحاطة هذه الأصول الباهظة بطبقات من الأنظمة الذاتية والمستشعرات والبرمجيات، والهدف هو أن يصبح الميدان شبكة واحدة تستطيع اكتشاف المعلومة ونقلها وتحويلها إلى قرار بسرعة شديدة. وقد جعلت وزارة الدفاع الأميركية القيادة والسيطرة المشتركة متعددة المجالات والذكاء الاصطناعي والاستقلالية عناصر مركزية في هذا الاتجاه.
أما المدرسة الصينية فتتحرك في سياق مختلف. بكين تستثمر في الذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، والحرب المعلوماتية، والتنسيق بين المنصات، وتبحث عن دمج القوة الصناعية المدنية والعسكرية في قاعدة تكنولوجية واسعة. لكن من الضروري الفصل بين ما أصبح قدرة عملياتية مثبتة وما يزال في طور التطوير أو العرض، فتقرير وزارة الدفاع الأميركية لعام 2025 أشار إلى أن عددًا من الأنظمة الصينية المعروضة بقدرات ذكاء اصطناعي ما زال يحتاج إلى تدخل بشري كبير، وأن بعض خصائص الأسراب والـ(جناح المخلص) المعروضة تظل تطلعات مستقبلية أكثر من كونها قدرات ناضجة بالكامل!
هنا يظهر الاستراق، بالمعنى العسكري الجديد للكلمة: استراق المستقبل ليس سرقة وثيقة من خزنة. إنه استراق الإشارة والزمن والنمط. كل جيش يتحرك يترك وراءه ظلًا رقميًا: اتصالًا، حرارة، موجة رادارية، تغيرًا في حركة الإمداد، صورة قمر صناعي، نمطًا إلكترونيًا أو حتى سلوكًا متكررًا يمكن للخوارزمية أن تربطه بما سبقه، ومن يستطيع جمع هذه الشظايا المتناثرة أسرع من خصمه يستطيع أن يرى ما لا يراه الآخر، وهنا قد يصبح استراق ثانية واحدة من دورة القرار أثمن من تدمير قطعة عسكرية.
أما الاستشراف الأخطر، فهو أن الحرب بعد عقد أو عقدين قد لا تقوم على السؤال: من يملك المنصة الأقوى؟ بل: من يملك المنظومة التي تستطيع الاستمرار بعد أن تبدأ الشبكات بالانهيار؟
سيكون التشويش كثيفًا، والاتصالات متقطعة، والأقمار الصناعية معرضة للتعطيل، والمنصات غير المأهولة عرضة للخداع الإلكتروني. لذلك لن تكون الاستقلالية ترفًا تقنيًا، بل قد تصبح شرط البقاء. حتى التصور الأميركي للأنظمة الذاتية الموزعة يفترض قدرتها على العمل عندما يصبح الاتصال محدودًا أو متدهورًا أو مقطوعًا؟
وعندها ندخل عصر (اللامادة العسكرية). لن تختفي الدبابة، ولن تموت الطائرة المقاتلة، ولن يصبح الجندي أثرًا من الماضي. لكن مركز الثقل سيتحرك تدريجيًا من المنصة إلى الشبكة، ومن المعدن إلى البرمجيات، ومن عدد الجنود إلى سرعة المعرفة، ومن امتلاك السلاح إلى القدرة على جعل آلاف العناصر الموزعة تتصرف ككائن قتالي واحد. وفي هذه النقطة تحديدًا تلتقي الصين وأميركا، بالرغم من اختلاف الطريق: كلتاهما تبحث عن جيش يرى أكثر، ويقرر أسرع، ويوزع المخاطر على عدد أكبر من العقد والمنصات. والمنتصر في حرب المستقبل لن يكون بالضرورة من يملك أكبر دبابة أو أغلى طائرة، قد يكون ببساطة من يستطيع أن يجعل خصمه يستنزف صواريخه في مطاردة أهداف زهيدة، ويسترق منه الإشارة قبل أن تتحول إلى أمر، ويسبق قراره بثوانٍ معدودة.
فالجيش القادم قد يكون أقل ظهورًا في الصورة، لكنه أكثر حضورًا في كل شيء. وحين نصل إلى تلك اللحظة، لن يكون السؤال المرعب: أين جيش العدو؟
بل: هل دخل جيش العدو المعركة بالفعل ونحن لم نره بعد؟


