خلال الأيام الماضية تابعنا ما نشرته وكالة رويترز، وكانت بعض أخبارها وتقاريرها بعيدة عن المصداقية، سواء في دقة المعلومات أو طريقة تناولها وتضخيم بعض الأحداث، وهو ما يعيدنا إلى سؤال قديم يتجدد دائماً: هل الاسم الكبير لوسيلة الإعلام يعني بالضرورة أن كل ما تنشره صحيح ومحايد؟
ورويترز هنا مجرد مثال، فالقضية أكبر من وكالة بعينها، لأن تاريخ الإعلام يؤكد أن المؤسسات الإعلامية الكبرى، مهما بلغت مهنيتها وانتشارها، ليست بعيدة تماماً عن تأثير السياسة والمصالح والتوجهات، وأحياناً الأجندات..!!.
فالتأثير لا يكون دائماً بنشر خبر غير صحيح، وإنما قد يبدأ من اختيار الخبر، وطريقة صياغة عنوانه، وحجم المساحة التي يمنحها له، والمعلومة التي يتم إبرازها، وأخرى يتم تجاهلها.
وهذا ليس جديداً على الإعلام، فقد ارتبطت الصحافة منذ بداياتها بالسياسة والاقتصاد ومراكز النفوذ، ودخل الإعلام طرفاً مؤثراً في كثير من الأزمات والحروب والصراعات الدولية، وأصبح في مراحل مختلفة أداة لتشكيل الرأي العام وليس مجرد ناقل للأحداث، ولذلك فإن الحديث عن الحياد الإعلامي الكامل، أمر للأسف غير موجود مطلقاً.
والمشهد الذي نتابعه حالياً في أمريكا يقدم نموذجاً واضحاً لحجم الأزمة، فقد وصلت المواجهة بين الرئيس الأميركي ترامب وبعض المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى منع صحفيين من مؤسسات إعلامية كبرى من دخول البيت الأبيض، بعد أن اتهم مؤسساتهم بنشر أخبار كاذبة، بينما رفضت المؤسسات الإعلامية تلك الاتهامات واعتبرت القرار مساساً بحرية الصحافة…!!.
وبعيداً عن تفاصيل هذا الخلاف، فإن ما يحدث يكشف أزمة أكبر تتعلق بالثقة بين السياسي والإعلامي والمتلقي، وهي ليست أزمة أميركية فقط، فقد أصبح الجمهور في مختلف أنحاء العالم يشكك بما يشاهده ويقرأه، خصوصاً مع تعدد المصادر وسهولة الوصول إلى المعلومة.
فالمتلقي اليوم لم يعد ينتظر وكالة الأنباء أو نشرة الأخبار ليعرف ماذا حدث، بل يستطيع مشاهدة الحدث مباشرة، والعودة إلى التصريح كاملاً، ومقارنة الخبر بين أكثر من مصدر، وربما اكتشاف المبالغة أو الاجتزاء خلال دقائق.
وهنا لا بد من التفريق بين الخبر غير الصحيح والخبر الكاذب، فالأول قد يكون نتيجة خطأ مهني أو معلومة ناقصة أو مصدر غير دقيق، أما الثاني فيفترض معرفة الحقيقة وتعمد تقديم غيرها، وبين الاثنين مساحة كبيرة تحددها المهنية والمصداقية.
وفي المقابل، ليس كل خبر لا يعجبنا كاذباً، وليس كل وسيلة نختلف معها صاحبة أجندة، ولكن أيضاً لا ينبغي أن تتحول أسماء المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى حصانة تمنع السؤال والنقد والمراجعة.
فالإعلام العالمي، مهما كانت الأسماء التي تقف خلفه، صناعة ضخمة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والمصالح وهي الأخطر التي تجعل الإعلام يحول الكذبة لخبر إعلامي.

