: آخر تحديث

هل كان النظامان الناصري والأسدي علمانيين؟

5
4
3

من أكثر المفاهيم التي أفسدها الصراع السياسي في منطقتنا مفهوم العلمانية. فالكلمة التي تتعلق، في معناها السياسي، بعلاقة الدولة بالدين وموقع السلطة الدينية منها، غدت في سجالاتنا وصفًا جاهزًا لأنظمة قومية عسكرية لمجرد صدامها مع الإسلام السياسي. وهكذا شاع تصنيف النظام الناصري في مصر والنظام البعثي في سوريا ضمن "الأنظمة العلمانية"، حتى بدا هذا التصنيف حقيقة لا تحتاج إلى نظر. فهل تؤيده طبيعة النظامين وممارساتهما؟

تختلف العلمانية عن الديمقراطية في موضوع كل منهما، فالعلمانية السياسية تتعلق بموقع الدين في الدستور، ومرجعية التشريع، واستقلال مؤسسات الدولة عن السلطة الدينية، بينما تقوم الديمقراطية على سيادة الشعب والمساواة في الحقوق السياسية واختيار الحكام ومحاسبتهم وإمكان تغييرهم سلميًا. ولا تستلزم العلمانية قيام نظام ديمقراطي، فقد اقترنت تاريخيًا بالديمقراطية في تجارب، وبالاستبداد في أخرى، واختلفت تطبيقاتها في التعامل مع الدين وحضوره في المجال العام. وتقر بعض الديمقراطيات الأوروبية، مثل بريطانيا والدنمارك، وضعًا رسميًا للكنيسة يرتبط في جانب منه بالتقاليد الملكية، من دون أن يترتب على ذلك خضوع السلطتين التنفيذية والتشريعية لسلطة دينية. ومع ذلك، لا تنجح إحداهما غالبًا من دون الأخرى، فالعلمانية من دون نظام ديمقراطي تصبح أداة للقمع والاستبداد، والديمقراطية من دون دستور علماني تفتح الطريق أمام هيمنة حزب أو جماعة على الدولة، بما يفضي إلى إخضاع مؤسساتها لأيديولوجيته. لذلك يتطلب وصف أي نظام بالعلمانية فحص دستوره وتشريعاته وطبيعة علاقة الدولة بالدين ومؤسساته، فلا الاستبداد بذاته ينفي علمانيته، ولا الخصومة السياسية مع الإسلاميين تثبتها.

ويمكن التمييز بين أربعة أنماط في موقع الدين والمؤسسات الدينية داخل الدولة. أولها العلمانية السلطوية، كما في التجربة السوفيتية، حيث اقترن الفصل الدستوري بين المؤسسات الدينية والدولة بسياسة قمعية ممنهجة هدفت إلى تقليص حضور الدين ونفوذه في المجتمع، واعتمدت في ذلك على التعليم والدعاية وتقييد المؤسسات الدينية، إلى جانب إقصاء الخصوم السياسيين، مع تفاوت حدة هذه السياسات من مرحلة إلى أخرى. وثانيها العلمانية الديمقراطية ذات الحياد الديني الأكثر صرامة، كما في فرنسا، حيث تلتزم المؤسسات العامة وموظفوها بالحياد الديني أثناء أداء وظائفهم، وتخضع بعض مظاهر التعبير الديني لقيود قانونية محددة، مع صون حق المواطنين في إظهار معتقداتهم في الفضاء العام ضمن أحكام القانون. وثالثها العلمانية الديمقراطية المنفتحة على الحضور الديني، كما في الولايات المتحدة، يجتمع منع إقامة دين رسمي للدولة مع ضمان حرية ممارسة الدين، ومع حق الناخبين والمشرّعين في الاسترشاد بقناعاتهم الأخلاقية والدينية في النقاش العام. فتبقى القوانين خاضعة للدستور ولآليات التشريع المدني، ويبقى تأثير الدين في الحياة الاجتماعية والسياسية مشروعًا ما دام داخل هذه الحدود.

أما النمط الرابع، وهو موضوعنا في هذا المقال، فتمثله أنظمة سلطوية هجينة، يصعب نسبتها إلى مشروع علماني أو ديني أو قومي أو اشتراكي متماسك، إذ تأخذ من هذه الاتجاهات ما يعزز حكمها، وتتخلى عنها حين تتعارض مع مصالحها. تُخضع المؤسسات الدينية لسلطتها وتستدعي الشرعية الدينية لتأييد سياساتها، وتنادي بالعروبة، بينما تستند في تثبيت حكمها إلى الولاءات العائلية والحزبية والطائفية. وترفع شعار الاشتراكية بينما تمنح دوائر الولاء امتيازات تناقض العدالة الاجتماعية، وتعلن سيادة الشعب ثم تصادر حقه في اختيار حكامه ومحاسبتهم. وتظل هذه الشعارات والممارسات جميعًا خاضعة لغاية واحدة هي احتكار السلطة وضمان بقاء النظام.

وللحكم على مدى علمانية النظام الناصري، لا بد من العودة إلى نشأته ودساتيره. لم ينشأ تنظيم الضباط الأحرار في مواجهة الإسلاميين، ولم تكن العلمانية عنوانًا معلنًا لمشروعه، فقد سبقت ثورة تموز (يوليو) وجود صلات بين بعض أعضائه والإخوان المسلمين، وكانت لعبد الناصر نفسه اتصالات بقيادات في الجماعة. ولم تبدأ العلاقة بعد سقوط الملكية بالعداء، إذ نشأ الخلاف تدريجيًا حول السلطة واتجاه النظام الجديد، حتى انتهى إلى القطيعة والمواجهة سنة 1954. وعلى المستوى الدستوري، نص دستور 1956 على أن الإسلام دين الدولة، وأعاد دستور 1964 النص نفسه.

وما فعله النظام بعد ذلك لا يحسم المسألة لمصلحة هذا الوصف. فقد بدأ تدخله في شؤون الأزهر مبكرًا، وظهر بصورة أكثر مباشرة في النصف الثاني من الخمسينيات، ثم عيّن عبد الناصر محمود شلتوت شيخًا للأزهر بقرار جمهوري سنة 1958، قبل أن يكرّس قانون 1961 سلطة رئيس الجمهورية في تعيين شيخ الأزهر ويوسّع سيطرة الدولة على المؤسسة الدينية. وفي الوقت نفسه استفاد النظام من هذه المؤسسة وعلمائها في دعم سياساته ومواجهة خصومه. لم يفصل الدين عن الدولة بقدر ما أحكم سيطرته على المؤسسة الدينية ووظّفها سياسيًا. والفرق جوهري بين دولة تحمي استقلال مؤسساتها عن الهيمنة الدينية، وسلطة تتحكم في المؤسسة الدينية وتستخدمها لخدمة مصالحها.

أما في سوريا فكان الالتباس أكبر، لأن البعث نفسه حمل أيديولوجيا قومية اشتراكية غير دينية. لكن علمانية الأيديولوجيا، إن صح الوصف، لا تجعل الدولة علمانية تلقائيًا. فالمعيار ليس ما يقوله الحزب عن نفسه، وإنما ما تكشفه بنية الدولة ودستورها وتشريعاتها وممارسات السلطة بعد وصوله إلى الحكم.

وقد ظهر هذا الالتباس بوضوح في دستور 1973. فبعد الاعتراضات التي أثارها غياب النص على دين رئيس الجمهورية في مشروع الدستور، انتهى الدستور إلى اشتراط أن يكون الرئيس مسلمًا، مع النص على أن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع. وبذلك وضع قيدًا دينيًا على تولي أعلى منصب في الدولة، ومنح الفقه الإسلامي موقعًا صريحًا في مرجعية التشريع، وهي أحكام يصعب تجاهلها عند تقديم النظام لاحقًا باعتباره نموذجًا لدولة علمانية.

غير أن التناقض الأعمق كان في بنية السلطة نفسها. فقد أقام حافظ الأسد نظامًا شديد المركزية، احتلت فيه الروابط العائلية والمناطقية والطائفية موقعًا بارزًا في بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية وحماية مركز الحكم، مع اعتماد واضح على ضباط علويين في عدد من أكثر المواقع حساسية. ولم يكن وجود شخصيات من طوائف أخرى كافيًا لنفي هذه البنية، فطبيعة النظام لا يحددها التنوع الظاهر في مؤسساته، بل توزيع القوة الفعلية داخلها. وهذا لا يجعل النظام ممثلًا للعلويين، لكنه يكشف عن سلطة وظفت الانتماء العائلي والطائفي في هندسة أمنها وبقائها.

وخضعت علاقته بالدين لحسابات الحكم نفسها. استمال المؤسسة الدينية حين احتاج إلى تأييدها، واستدعى الشرعية الإسلامية حين اقتضت مصلحته، وسحق الحركات الإسلامية السياسية حين هددت سلطته. فقد كانت العروبة والاشتراكية والمقاومة والبعث والدين أوراقًا متفاوتة الأهمية، أما الثابت فهو الاستمرار في السلطة.

كيف استقرت، إذن، صفة "العلمانية" في وصف النظامين؟

أسهم الصراع مع الإسلاميين في ترسيخها، إذ تحول خصم الحركات الإسلامية السياسية في كثير من السجالات إلى "علماني"، بصرف النظر عن طبيعة الدولة التي يحكمها. ثم اكتسب هذا الربط بعد الثورات العربية وظيفة أخرى، حين أخذ الإسلاميون والقوميون أصحاب الخطاب الديمقراطي يستدعون الناصرية والبعث السوري شواهد على ما يسمونه تجربة الأنظمة العلمانية، فتحولت سجون الأنظمة العسكرية وقمعها واستبدادها إلى سجل اتهام للعلمانية على اختلاف صورها، بما فيها النموذج الديمقراطي.

وتقوم العلمانية في نموذجها الديمقراطي الغربي على استقلال مؤسسات الدولة عن السلطة الدينية، والتداول السلمي للحكم، وضمان حرية الاعتقاد والتعبير، والمساواة بين المواطنين، سواء كانت المساواة مطلقة في الحقوق التي لا تقبل التفاوت، أو نسبية فيما يرتبط بتكافؤ الفرص. كما تقوم على حياد الدولة، بحيث تقف مؤسساتها على مسافة واحدة من أديان المواطنين وطوائفهم ومذاهبهم ومشاربهم الفكرية، وتكفل حقوقهم دون تمييز.

ويكشف الاستشهاد باستبداد الناصرية والأسدية للطعن في العلمانية الديمقراطية خلطًا بين استبداد السلطة ومبدأ حياد الدولة، فهؤلاء يقبلون بالديمقراطية لأنها تمنحهم فرصة الوصول إلى الحكم، ثم يرفضون ارتباطها بدستور علماني، لأن هذا الدستور يضع حدودًا لهيمنتهم على مؤسسات الدولة. وبذلك تصبح الديمقراطية لديهم وسيلة للوصول إلى السلطة، لا التزامًا بقواعد تضمن بقاء الدولة لجميع مواطنيها. فالفوز في الانتخابات يمنح حق الحكم، لكنه لا يمنح الفائز حق إخضاع مؤسسات الدولة لعقيدته، ولا تحويل أغلبيته السياسية إلى تفوق دائم على بقية المواطنين. وحين تصبح أجهزة الدولة امتدادًا للحزب الحاكم، يفقد خصومه ضمانات المنافسة المتكافئة، وتضعف قدرتهم على تغييره بالانتخابات.

لذلك لا يقتصر الاستشهاد بالناصرية والأسدية لإدانة العلمانية على خلاف في المصطلحات، بل ينقل مسؤولية الاستبداد من الأنظمة التي مارسته إلى مبدأ حياد الدولة الذي انتهكته. فمواجهة الإسلاميين لا تثبت علمانية النظام، وشعاراته غير الدينية لا تكفي لإثبات علمانيته.

ولا يكتمل القبول بالديمقراطية من دون قبول القيود الدستورية التي تمنع الفائز من احتكار الدولة. فالأغلبية تتغير، والتفويض الانتخابي مؤقت، وحقوق المواطنين ثابتة مهما اختلفت انتماءاتهم. الانتخابات تمنح شرعية الحكم، لكنها لا تمنح ملكية الدولة. وهذا هو الفارق بين دولة المواطنين ودولة الغالبين.

وينطبق هذا التوصيف أخيرًا على سائر الأنظمة القومية التي وصلت إلى الحكم في البلدان العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مع ما بينها من تباينات، فقد احتكرت السلطة السياسية والمؤسسات الدينية، وقمعت الشعوب، وعطّلت الحياة السياسية، وأسهمت في تكريس التخلف وتعطيل التنمية، لتنتهي مشاريع التحرر والاستقلال والعدالة الاجتماعية إلى دول ضعيفة ومجتمعات منهكة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.