: آخر تحديث

سيد جلال.. لا تَسْتَقِلْ!

2
1
1

علينا شد الحزام، فالزارعة يمكن أن تنتظر، وأن نوقف العلاج في الخارج، فأطباؤنا بارعون ومستشفياتنا مميزة، وأن نجعل المواطن يدفع ثمناً، ولو بسيطاً للدواء والعلاج، وأن نلغي فوراً، الدعوم، ونقلل الصرف على مئات البنود الأخرى، لكن عندما نأتي للتعليم، علينا جميعاً أن نتروى و«نطق بريك»، فالتربية الصحيحة تتطلب توافر مسؤول عالي الكفاءة، وطاقم تدريس مميزاً، ومدارس جاهزة، ومناهج عصرية، وسخاء في الصرف، فالتعليم لم يكن يوماً ترفاً، في أي دولة أو مجتمع، لكي نبخل عليه، بل هو واجب وفرض لا يسبقه أي أمر، وهو عماد خلق المواطن الصالح الذي يمكن للدولة أن تعتمد عليه مستقبلاً، طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو ممرضاً، فكامل وجودنا ومكانتنا بين أمم الأرض، يعتمد تماماً على مستوى التعليم، فإن أهملناه، بشرياً ومادياً، وقتّرنا عليه، فستكون التكلفة باهظة، وربما قاتلة، مستقبلاً، وسينتشر الضرر عبر كل نسيج المجتمع ويطيح الاقتصاد ويخلخل الأمن، ويقلل الإنتاجية، ويضعف المنافسة، في عالم سريع التطور والتغيُّر، وستنتهي الحال بنا، في أحسن الأحوال، لدولة ريعية، فاشلة، ولا شيء أكثر، فمع فشل التعليم يفشل كل أمر آخر، وهذا سيُفقر الدولة من رأسمالها البشري الأثمن، وستتسع الفجوة الطبقية، وسيضعف الوعي الصحي، وسيتحول المجتمع لبيئة خصبة للتطرف والتجنيد الأيديولوجي، وستزول جهود محاربة الفساد، وتكثر الجريمة والانحراف، وستتضاءل ثروتنا البشرية، فدول عديدة فقيرة بكل شيء، مثل كوريا و«كيب فيردي» وسنغافورا وفنلندا، أصبحت غنية بفضل التعليم، فقط، وأخرى ثرية نقداً وبالموارد الطبيعية، لكنها تراجعت بسبب تخلف نظام التعليم فيها. فضريبة التعليم السيئ ليست مالية، بل هي دَين مركّب (Compound Debt) يتراكم بصمت عبر الأجيال، ولا يظهر أثره الكامل إلا بعد عقود، حين يصبح تصحيحه أصعب بكثير وأكثر كلفة مما لو استُثمر فيه مبكراً. وكما يُقال: إذا كنت تظن أن التعليم مكلفٌ، حاول أن تجرّب الجهل.

* * *

ليس من حقي مطالبة السيد جلال بالاستقالة، لأسباب لا تخفى على اللبيب، لكن وضع «التربية» بئيس بالفعل، ومن الظلم تحميله فرداً أو جهةً، بعد أن شاركت معظم حكوماتنا، منذ ستينيات القرن الماضي، في خلق هذا التراكم السلبي، بحيث أصبح العلاج أكبر من قدرة «السيد»، أو غيره بكثير، وكان يفترض أنه عرف صعوبة المهمة، خاصة أنه في تقديري أخفق في إنجاز أسهل الأمور، مثل توفير الكتب، المفقودة حتى الآن، وتجهيز المدارس ورفدها بحاجتها من المدرسين المدربين جيداً، فما بالك بالأمور الأكثر تعقيداً وخطورة وإلحاحاً؟! وفي هذا السياق قد أتفهم قراره بالاستغناء عن آلاف المدرسين، بحجة عدم الحاجة لهم، لكن ماذا يفعل 33 ألف مدرس في وزارة الأوقاف (؟!)

* * *

هذا الترقيع الذي نراه في «التربية»، رأينا ما يماثله في «الكويتية»، على مدى أكثر من نصف القرن، وكانت النتيجة أننا أضعنا أكثر من عشرة مليار دولار، لنكتشف بعدها أن الحل يكمن في «التفكير خارج الصندوق». وبالتالي ما نحن بحاجة إليه في موضوع التعليم، هو التفكير خارج الصندوق. فقد سبق أن قامت الدولة بالاستعانة بجهات عدة «متخصصة وعالمية» لتطوير أنظمة «التربية»، لكنها، حسبما يقال، فشلت في مهامها، والسبب برأيي، عجزنا عن فهم أهدافها، ورفضنا التعاون معها، وغالباً بسبب «تدخلات معينة»، والدليل أن هذه الجهات نفسها نجحت في تطوير أنظمة التعليم في دول كثيرة، ومنها شقيقات خليجيات. كما أن غالبية شكاوى كبار إداريي الشركات الخاصة تتركز على ضعف مخرجات جامعاتنا ومدارسنا، وافتقادهم لروح التحليل والتحدي، والتفكير النقدي، وهَمُّ الغالبية أداءُ الروتيني من المهام، وقبضُ الراتب والمطالبة بالترقية والتقدير الوظيفي.

* * *

«مبهر بدرجة استثنائية»! هذا ما قالته البارونة سميث، وزيرة الدولة البريطانية للتعليم، خلال زيارتها مركز ضمان وضبط جودة التعليم.. السعودي.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد