ليست المشكلة في أن تُغيِّر الحكومات وزراءها، فالتعديل الوزاري في الدول الرشيدة يُعد أداة طبيعية لتصحيح المسار، وتجديد الدماء، ومعالجة مواطن القصور. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التعديلات إلى عملية تبديل للمواقع دون أن تسبقها رؤية معلنة، أو تقييم موضوعي للأداء، أو تفسير مقنع للرأي العام.
وهذا هو الانطباع الذي خلّفته التعيينات الأخيرة الصادرة عن مجلس القيادة الرئاسي اليمني القابع بالرياض لدى شريحة من المراقبين والمهتمين بالشأن العام، إذ بدا المشهد، بالنسبة إليهم، أقرب إلى إعادة توزيع للحقائب الوزارية منه إلى مشروع إصلاح يعالج أزمات الدولة المتراكمة.
ففي وقت يواجه فيه اليمن انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، وتراجعًا في الخدمات، وأزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، كان المنتظر أن تحمل القرارات رسالة إيجابية واضحة، تقوم على الكفاءة، والتخصص، والمساءلة، وتضع المواطن في صدارة الأولويات. غير أن ما ظهر على السطح هو سلسلة من التنقلات بين الوزارات، أثارت تساؤلات أكثر مما قدمت إجابات.
عندما تصبح الوزارة محطة عبور
من أبرز ما لفت الأنظار في التعديل الأخير انتقال وزيرة التخطيط والتعاون الدولي إلى وزارة الخارجية، وانتقال وزير الإدارة المحلية إلى وزارة التخطيط، إلى جانب إسناد وزارة الإدارة المحلية إلى وزيرة الدولة لشؤون المرأة.
لا يتعلق الجدل هنا بالأشخاص أو بكفاءاتهم، فلكل منهم سيرته المهنية التي يمكن أن تكون محل تقدير أو نقاش. لكن القضية الأهم هي: ما المنهج الذي حكم هذه الاختيارات؟
هل استندت هذه التنقلات إلى تقييم مؤسسي معلن؟ وهل قُدمت للرأي العام مبررات توضح أسباب نقل كل وزير من حقيبة إلى أخرى؟ وهل هناك خطة حكومية تُبيّن كيف ستنعكس هذه التغييرات على أداء الدولة؟
غياب الإجابات الواضحة جعل كثيرًا من المتابعين ينظرون إلى هذه القرارات باعتبارها أقرب إلى تدوير للمناصب منها إلى إعادة بناء للمؤسسات.
الوزارة ليست منصبًا إداريًا عامًا
في النظم الحديثة، لا تُدار الوزارات بمنطق أن أي مسؤول يمكنه الانتقال بسهولة بين أي حقيبة، وإنما وفق مبدأ "الرجل المناسب في المكان المناسب".
فوزارة الخارجية ليست امتدادًا طبيعيًا لوزارة التخطيط، كما أن وزارة الإدارة المحلية ليست مجرد منصب إداري يمكن شغله دون خبرة تتصل مباشرة بإدارة الحكم المحلي، والمحافظات، والسلطات التنفيذية، والتشريعات المنظمة للإدارة المحلية.
لكل وزارة طبيعتها، وأولوياتها، وشبكة علاقاتها، وتعقيداتها الفنية والإدارية. ولهذا، فإن الانتقال من حقيبة إلى أخرى ينبغي أن يكون مدعومًا برؤية واضحة، وأسباب مقنعة، لا أن يُترك المجال للرأي العام كي يخمن دوافعه.
أين تقييم الأداء؟
من أبسط قواعد الإدارة الرشيدة أن يُبنى أي تعديل وزاري على تقييم موضوعي للأداء.
هل نجح الوزير في تنفيذ برنامجه؟
هل حقق مؤشرات قابلة للقياس؟
ما الذي أنجزه؟
وما الذي أخفق فيه؟
وهل كان سبب نقله نجاحه، أم إخفاقه، أم مجرد إعادة ترتيب للتوازنات السياسية؟
في غياب هذه المعايير، تتحول التعديلات إلى قرارات يصعب على المواطن فهم منطقها، وهو ما يضعف الثقة بالمؤسسات، حتى لو كان الأشخاص المعيّنون يتمتعون بالكفاءة.
اليمن لا يحتمل التجريب
تمر البلاد بمرحلة استثنائية بكل المقاييس. اقتصاد يترنح، وعملة تفقد قيمتها، وخدمات أساسية تعاني تراجعًا، ورواتب متعثرة، واستثمارات شبه غائبة، وثقة شعبية تتآكل.
في مثل هذه الظروف، تصبح كل وزارة خلية أزمة، وكل قرار تعيين قرارًا استراتيجيًا، لأن نتائجه تمس حياة ملايين المواطنين.
ولذلك، فإن أي تعديل وزاري ينبغي أن يبعث برسالة مفادها أن الدولة تمتلك رؤية واضحة لإدارة المرحلة، لا أن يفتح الباب أمام مزيد من الأسئلة حول منهجية الاختيار.
بين السياسة والإدارة
من الطبيعي أن تراعي الحكومات الائتلافية التوازنات السياسية، فهذه حقيقة معروفة في كثير من دول العالم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه التوازنات هي المعيار الغالب، بينما تتراجع الكفاءة والتخصص والبرنامج التنفيذي إلى الخلف.
فالحكومة الناجحة لا تُقاس بقدرتها على إرضاء القوى السياسية فقط، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
أزمة الثقة: الخطر الأكبر
ربما لا تكون أخطر نتائج مثل هذه التعيينات هي الجدل الإعلامي، وإنما اتساع فجوة الثقة بين المواطن والدولة.
فعندما يشعر الناس بأن المناصب العليا تُدار بطريقة غير مفهومة بالنسبة إليهم، يصبح من السهل أن يفقدوا الثقة في عدالة معايير الاختيار، وفي قدرة المؤسسات على العمل وفق أسس مهنية.
والدولة التي تفقد ثقة مواطنيها، مهما امتلكت من قرارات أو هياكل، تجد نفسها أمام أزمة مؤسسية عميقة يصعب تجاوزها.
ماذا كان يمكن أن يحدث؟
كان بالإمكان أن يُرفق التعديل الوزاري ببيان شامل يوضح للرأي العام:
• لماذا غادر كل وزير منصبه؟
• ولماذا اختير لمنصبه الجديد؟
• وما الأهداف المطلوب تحقيقها؟
• وما مؤشرات قياس النجاح؟
• ومتى سيُقيَّم الأداء من جديد؟
مثل هذه الخطوة كانت ستعزز الشفافية، وتمنح المواطنين حقهم في معرفة أسباب القرارات التي تُتخذ باسمهم.
الخلاصة:
إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بجودة تلك القرارات، ووضوح معاييرها، وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.
والتعيينات الأخيرة، بصرف النظر عن تقييم الأشخاص، أثارت نقاشًا مشروعًا حول منهجية صنع القرار، وحول ما إذا كانت تعكس رؤية وطنية متكاملة أم مجرد إعادة توزيع للحقائب الوزارية.
إن اليمن اليوم لا يحتاج إلى تغيير الأسماء بقدر ما يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير في إدارة الدولة.
يحتاج إلى مؤسسات تُبنى على الكفاءة، وإلى قرارات تُفسَّر للرأي العام، وإلى مسؤولين يُحاسَبون على النتائج لا على المواقع التي يشغلونها.
فالدول لا تنهض بتدوير المناصب، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وإرساء قواعد شفافة للحكم، وربط السلطة بالمسؤولية، والقرار بالمحاسبة، حتى يشعر المواطن أن الدولة تسير وفق مشروع وطني واضح، لا وفق إيقاع التسويات الآنية وتبديل الحقائب.

