: آخر تحديث

حين نقارن أجمل ما لديهم بأسوأ ما لدينا!

1
2
1

منيرة أحمد الغامدي

لا تخلو المجتمعات من العيوب، كما لا تخلو من الجمال، لكن أكثر المقارنات ظلمًا هي تلك التي تُبنى على معيارين مختلفين فنقارن أفضل ما في بلدٍ ما وأكثر مناطقه تنظيمًا وجمالًا بأسوأ ما في بلدنا، أو بأكثر مشكلاته حضورًا في وسائل الإعلام. عندها لا تكون المقارنة موضوعية بل تتحول إلى انطباع مضلل يقود إلى أحكام خاطئة.

السائح بطبيعته لا يزور الأحياء المهملة ولا المناطق الصناعية ولا الضواحي التي تعاني من المشكلات الاجتماعية. بل يتجه إلى الواجهات البحرية والبلدات التاريخية والشوارع الأنيقة والمقاهي الراقية والمتاحف والحدائق التي استثمرت فيها الحكومات سنوات طويلة لتكون واجهة للدول، ثم يعود ليقارن تلك الصورة المثالية بحياته اليومية في وطنه أو بحيٍّ عادي لم يُنشأ أصلًا ليكون وجهة سياحية.

وهنا يبدأ الظلم فالمدينة السياحية التي يراها الزائر في بضعة أيام ليست هي الدولة بكل تفاصيلها وخلف تلك الصورة الجميلة توجد تحديات اقتصادية، وأحياء أقل جودة ومشكلات إسكان، وجرائم وبطالة وأزمات اجتماعية لا يراها السائح غالبًا لأنها ليست ضمن مساره وفي المقابل قد يغفل الزائر عن أجمل ما في وطنه فقط لأنه اعتاده ولم يعد يراه بعين السائح الذي يكتشف التفاصيل لأول مرة.

وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تكريس هذا الخلل فهي تعرض غالبًا لقطات منتقاة بعناية وزوايا تصوير مثالية وتجارب استثنائية، فتتشكل لدى المتلقي صورة ذهنية توحي بأن تلك الدول تعيش في كمال دائم، بينما تُسلَّط الأضواء محليًا على الحوادث والمشكلات اليومية، وهكذا يصبح ميزان المقارنة مختلًا منذ البداية.

المقارنة العادلة تقتضي أن نقارن المتشابه بالمتشابه فنقارن أفضل المناطق السياحية في دولة ما بأفضل المناطق السياحية في دولة أخرى، أو نقارن المدن ذات الخصائص المتقاربة، ومستوى الخدمات المتشابهة، والظروف الاقتصادية والاجتماعية المتقاربة. أما أن نقارن منتجعًا عالميًا بحي سكني عادي، أو شارعًا تاريخيًا مصممًا للسياحة بمنطقة خدمية، فهذه ليست مقارنة بل صناعة لانطباع مضلل.

كما أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن لكل بلد ميزاته ونقاط ضعفه، فهناك دول تتفوق في الحفاظ على التراث، وأخرى في البنية التحتية وثالثة في الأمن ورابعة في جودة الخدمات أو سرعة الإنجاز، ولا توجد دولة تجمع الكمال في كل شيء، كما لا توجد دولة تخلو من عناصر التميز.

ولعل أخطر نتائج هذه المقارنات أنها تُضعف ثقة المجتمعات بإنجازاتها، وتدفع البعض إلى التقليل من قيمة ما تحقق، ليس لأن الواقع سيئ، بل لأن معيار المقارنة كان غير منصف منذ البداية.

إن السفر يوسع المدارك ويعلم الإنسان كيف يستفيد من تجارب الآخرين، لكنه لا ينبغي أن يحوله إلى قاضٍ يصدر أحكامًا اعتمادًا على صور سياحية جميلة أو زيارات قصيرة.

فالإنصاف يبدأ من عدالة المقارنة، والعدالة تقتضي أن نقارن الصورة الكاملة بالصورة الكاملة لا أن نقارن أجمل ما لديهم بأسوأ ما لدينا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد