كان الهدف واضحاً آنذاك، وهو تقسيم الكويتيين وتحويل الحزن إلى غضب، والغضب إلى اقتتال داخلي، وبالنهاية نجاح يد الإرهاب بالتخريب.. في ما عجزت عنه السياسة.
الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، أدرك آنذاك أن الزمن في مثل هذه اللحظات يُقاس بالدقائق لا بالساعات. حين توجه بنفسه إلى موقع الحادث، ووقف بين أبناء الكويت، وقال كلمته الخالدة: «هذول عيالي».
لم تكن هذه العبارة تعبيرا عاطفيا فقط، بل كانت إعلانا ان المجتمع الكويتي أكبر من كل محاولات تمزيقه، وأن كل أبنائه تحت مظلة واحدة يستظلون فيها، وطن واحد.
اليوم، نستحضر مشهداً آخر يحمل الفلسفة نفسها والرؤية ذاتها، عندما توجه النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف إلى البصرة عقب حادث الاعتداء الذي طال منفذ العبدلي الحدودي قبل ايام.
الظرف الذي تعيشه المنطقة حاليا والتوقيت شديدا الحساسية، فما حصل لحظة الهجوم على منفذ العبدلي، كان من الممكن أن يُقرأ بعيون الغضب، وتعم الاشاعات وتتضخم التهديدات، ويتمدد القيل والقال، وما يصاحبها من انفعالات، ليتحول الحادث إلى أزمة جديدة بين بلدين عادت العلاقات بينهما لشكلها الطبيعي بعد ازمة طالت سنوات طويلة.
العراق جار ملاصق لنا.. شئنا ام ابينا، ونحن بلدان تجمعهما روابط التاريخ والعروبة والدين.. ولا مصلحة لكليهما بإثارة المشاكل والنزاعات.
التحرك السريع، واللقاءات المباشرة، ورسائل التهدئة، والتأكيد على أن العلاقات الكويتية العراقية أكبر من حادث عابر، هي خطوات سحبت فتيل التصعيد قبل أن يمتد إلى ما لا تُحمد عقباه.
قد يظن البعض أن الزيارة مجرد مجاملة دبلوماسية، لكنها في الحقيقة ممارسة ناجحة لفن إدارة الأزمات، خصوصاً في منطقة تعيش على وقع التوترات والاحتمالات المفتوحة.
بالنهاية.. السياسة ليست انتظار اشتعال النار، بل منع اندلاع الشرارة الاولى، وامتدادها لتصل الى بيئة سريعة الاشتعال.
الدول المتزنة لا تبني علاقاتها على ردود الأفعال، بل على المبادرات، والمسؤول الناجح يتحرك بالتوقيت الصحيح، لا بعد ان تصبح كلفة الحل أكبر وأوسع.
الحكمة والمبادرة تحكمهما الثواني والدقائق قبل الساعات، فالتحرك السريع ليس ترفاً سياسياً، بل هو احدى أهم أدوات الأمن والاستقرار.
ما يجمع بين موقف الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، ومبادرة الشيخ فهد اليوسف، هو أن كليهما فهم أن حماية الوطن لا تكون بالقوة وحدها، بل بالاحتواء وسرعة القرار.
إقبال الأحمد

