: آخر تحديث

التعزيز السرديّ لدى المهندس الزكري

2
1
2

الثقافةُ مصدرٌ أساس، ومُقوّمٌ ذو بال، فالأممُ والشعوب تُعرَفُ بثقافاتها وتاريخها وأنماط حياتها. ومنذ القدم، كانت المساجد والمجالس والمنتديات مصدر إشعاعٍ للثقافةِ والعلوم، وازدادت تلكم المجالس والديوانيات في المملكة العربية السعودية، حتّى أصبحت معلمًا من معالم كل مدينة من مدنها، ولقد استضافت ديوانية المشوّح في مدينة الرياض المهندس عبد المحسن بن محمد الزكري، في محاضرةٍ ذاتِ طابعٍ سرديّ، بثّ فيها تجاربه وخبراته، التي فاقت السبعين عامًا؛ حيث هو مستودعٌ وصندوق مليء بالتجارب والخبرات والمعارف، عاش في بيتٍ كبيوتِ أقرانه من الطينِ والأثل، ونخيلٍ وبئرِ ماء، لا كهرباء ولا أدوات ترفيه، ينامون بعد صلاة العشاء، يستيقظون مع الفجر، يبحثون عن رزقهم كما هي الطير، تغدو خماصًا وتعود بطانًا، يذهب الكبار لأعمالهم من تجارةٍ وصناعةٍ وزراعة، ويذهب الأبناء إلى مدارسهم التي بُنيَت من الطين، وسُقِفَت بخشب الأثل، تفتقدُ كل مقوّمات الدراسة؛ لكن هذا هو الحال، وتلكم هي الإمكانات، يذاكرون على السرج، وفتائل القماش، يساعدون آباءهم للحصول على رزقهم.

لم يتأفف المُحاضِر من ذكرِ ذلك؛ بل يقوله بابتسامةٍ وسعادة، وشكرٍ لله على ذلك الحال، وما أصبحَ عليه من حال. بعد انتهاء الدراسة؛ يأتي للرياض؛ ليسترزق من أسواقها، وبيعها وشرائها، كان سوق السدرة وسوق المقيبرة، هما أشهر أسواق الرياض، كان بائعًا مُتجوّلاً وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة، ساعد والده، واهتمَّ بإخوانه، وحاله كما هو حال أبناء جيله وما سبقه، كرجل الأعمال المغفور له -بإذن الله- صالح الراجحي، حيثُ كان حمّالاً بذات السوق، وأخيه سليمان، حيث يجمع الرماد ويبيعه، كما ذكر ذلك في كتابه (حياة سليمان الراجحي)، وعبد العزيز الموسى كان بنّاءً لبيوت الطين، وعبدالله العثيم كان بائعًا بسيطًا بسوق البطحاء، وغيرهم كثير، فكثير من العوائل سُميّت بأسماء حرفهم التي يحترفونها من صنائعٍ... وهذا ما ينبغي أن يكون عليه شباب اليوم، ليبدؤوا كما بدأ أسلافهم، ليصلوا إلى مُبتغاهم، على أن يكون لهم رؤية وهدف ورسالة. ولا يتنافى العمل مع التعليم، بل العمل هو الوقود الحقيقيّ لِما يتعلمه المرء، وكثير من الأطباء والمهندسين في الأجيال السابقة كانوا يعملونَ مع مواصلة دراساتهم، وهذا ما كان عليه الأستاذ الدكتور محمد بن عبدالله المفرح، استشاري الجهاز الهضمي والمناظير كما ذكر ذلك في كتابه (من الزلفي إلى برلين: سيرة طبيب).. يواصل المُحاضِر سرد حياته، بأسلوبٍ ممتع، ومن السهل الممتنع، وبلغةٍ بيضاء غير متكلفة. يتحدث ليُبين للشباب، كيف كان شابًا وضع له هدفًا ورسالة، رغب أن تحمل هويّته اسم «تاجر»، لما يحمله من أحلام، وينظر إليها بنظرة الواثق بأنّ ذلك سيتحقق، تلكم الكلمة -تاجر- ينظر إليها ككائنٍ حي، واثق بالله ثم بجهدٍ ومُجاهدة، وصبر ومُصابرة. بعد نيله الثانوية العامة؛ التحق بكلية العمارة بجامعة الملك سعود، كانت تحتاج الكلية إلى لغةٍ إنجليزية، وهو قد جاء من بيئةٍ لا تعرف لهذه اللغة معنى، إلا أنّ الإصرار كان أقوى من صعوبة اللغة. وأثناء دراسته كان يعمل بتجارته، ويطلب رزقه، فبلادنا -حفظها الله- بكرٌ وبها من الخيرات الشيء الكثير، وشباب اليوم مُهيّأة لهم الظروف والإمكانات أكثر من جيل الشيوخ، فاليوم يُدير المرء تجارته بهاتفه المحمول، فرزقُ الله واسع، «وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ» (الذاريات:22).

بعد نيل المُحاضر درجة البكالوريوس في العمارة، افتتحَ مكتبًا صغيرًا بالإضافة إلى عمله، ومنه انطلقت تجارته.. ويستمر المُحاضِر بسردِ تجربته ذاتِ القيمةِ العالية: «الآن تقاعدتُ وسلّمتُ العمل للأبناء، هم الشباب وهم على درايةٍ بمتطلبات حياتهم، هم يعرفون ويعون أكثر من الشيوخ أمثالي، كنت بالأمس شابًا متوقد الذهن، أعمل أكثر ساعات يومي، لأكسب أكثر، أنخرطُ بالعمل ساعاتٍ طِوال، الآن حانَ أن أستريح، فلكلِ زمنٍ رجاله، لا أقول ذلك مللاً أو كللاً، بل الاستراحة واجب، ولكلِّ زمنٍ رجاله، ولكل حقبةٍ من العمر ما تستحقه، بالأمس كُنّا شبابًا، واليوم شيوخًا، لندع العمل للشباب، بلدنا شابة فتية، ذات رؤيةٍ وطنيّةٍ شابة مُلهمة.. أيها الشيوخ كونوا مُستشارين ودعوا العمل لأبنائكم، واستثمروا أوقاتكم بالأعمال الخيرية».

وإذ يومئ المُحاضِر بتجربته وخبرته، يُعطي الانطلاقة للشباب بالخطوة الأولى للألف ميل، فالوصول إلى المرمى ليس بالأمر السهل، يحتاج إلى إمعان فكر وبذل جهد. وباستقراء رجال الأعمال في المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، نجدهم بدأوا أعمالهم وتجارتهم بعزمٍ وعزيمة وصدقٍ ومصداقية وإيمان بأنّ الرزق كائن لا محالة، وصنوف التجارة متعددة، والسوق مُتاح، والقرش مع القرش والريال مع الريال تحقق الأحلام.. فعلى الشاب أن ينهل من معين فكر وثقافة الشيخ، وعلى الشيخ أن يكون المُستشار والمُعين بعد الله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد