: آخر تحديث

ماذا سيغير الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل؟

6
2
3

تعمل بيئات العمل وفق منطق صنعته الخبرة، إجراءات واضحة، حوكمة يومية، مسارات اعتماد، وذاكرة تراكمت عبر سنوات، هذا النموذج ساعد المنظمات على تحقيق مستهدفاتها، وضبط قراراتها، وتقليل المخاطر في أعمال تتطلب تنسيقاً واسعاً وثقة عالية، غير أن كل نموذج ناجح يحمل كلفته الخاصة، وقتاً طويلاً للوصول إلى المعرفة، وتكراراً في الجهود، وتجارب متراكمة لا تُستدعى دائماً بالسرعة التي يتطلبها عالم يتغير بشكل مستمر.

التحول الذي يعيشه العالم مع الذكاء الاصطناعي مازال في بدايته، ما نراه اليوم لا يتجاوز رأس جبل الجليد، الأثر الأعمق سيظهر عندما يدخل الذكاء الاصطناعي في طريقة إنجاز العمل نفسها بشكل أوسع، كيف تُستدعى المعرفة، وكيف تُختبر الفكرة، وكيف تُراجع المخرجات، وكيف تنتقل الخبرة من مشروع إلى آخر.

يشير تقرير لشركة ماكينزي إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي والتقنيات الحالية يمكن أن تؤتمت أنشطة تستهلك 60 إلى 70 في المئة من وقت العاملين اليوم، هذه الأرقام لا تعني اختفاء الوظائف بالضرورة، معناها الأدق أن جزءاً كبيراً من العمل المعرفي قابل لإعادة التصميم، بحيث تصبح الإجراءات أكثر قدرة على مضاعفة المخرجات ورفع جودتها في وقت واحد.

وتعطي الدراسات الميدانية صورة أوضح لهذا الأثر، في دراسة على أكثر من خمسة آلاف من موظفي خدمة العملاء، وجد باحثون أن إتاحة مساعد ذكاء اصطناعي رفعت الإنتاجية، وكانت المكاسب أكبر لدى الأقل خبرة. أهمية هذه النتيجة لا تكمن في السرعة وحدها، وإنما في أن التقنية ساعدت على نقل بعض ممارسات أصحاب الأداء الأعلى إلى من هم في بداية منحنى الخبرة، مما يعني تحول الخبرة الفردية إلى معرفة مؤسسية تساهم في مضاعفة جودة المخرجات.

الأثر الأكبر سيظهر في الجهات التي ترى الذكاء الاصطناعي كبنية تشغيلية، سيقل وقت البحث عن المعرفة، ستتحسن المسودات قبل وصولها إلى مراحل الاعتماد، ستنتقل أفضل الممارسات داخل المنظمة بسرعة أعلى، وستصبح التجارب السابقة مادة حية تستخدم في تحسين القرارات اللاحقة، وستتمكن الفرق الصغيرة والمشاريع الناشئة من اختبار السوق والرسائل والمنتجات بتكلفة أقل وزمن أقصر.

غير أن هذا التحول يحتاج انضباطاً مؤسسياً، فتح أدوات الذكاء الاصطناعي دون ضوابط قد يرفع حجم المخرجات، لكنه قد يرفع معه مستوى المخاطر، لذلك يبدأ التبني الناضج من أدوات آمنة، وتصنيف واضح للمعلومات، ومصادر معرفة داخلية، ومراجعة بشرية (Human in the Loop)، ومقاييس أثر قابلة للمتابعة.

الخلاصة: التغيير المقبل في بيئات العمل سيقاس بقدرة المنظمات على تحويل المعرفة إلى أصل حي، يُستدعى عند الحاجة، ويُراجع قبل القرار، ويتحول مع كل تجربة إلى ذاكرة أقوى. هنا يبدأ الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي، حين تصبح المعرفة أسرع حضوراً، والتجربة أقل تكلفة، والقرار أقرب إلى ذاكرة مؤسسية تتطور مع كل تجربة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد