ابتُليت منطقتنا خلال العقود الماضية بالتنظيمات المسلحة التي تنازع حكوماتها القرار، وتحدد متى تبدأ المواجهة ومتى تنتهي، دون أن تعترف بمؤسسات الدولة أو تخضع لإرادتها.. ومع مرور الوقت تحولت هذه التنظيمات إلى كيانات مسلحة عابرة للحدود ومتعددة الولاءات، استغلّت ضعف مؤسسات الدولة، وتراجع هيبتها، وفقدان كثير من الشعوب ثقتها في حكوماتها التي عجزت عن بناء دولة القانون، أو غرقت في الاستبداد والفساد.
الشرق الأوسط اليوم يعيش مرحلة مختلفة عن تلك التي عرفها خلال العقود الماضية.. فالدول التي اختارت التنمية والاستثمار وبناء الاقتصاد لم تعد تستطيع أن تتعايش مع جماعات مسلحة تتحرك خارج الإجماع الوطني، وترهن المنطقة للأزمات والقنابل الموقوتة.. المستثمر يبحث عن محيط مستقر، والاقتصاد يحتاج إلى استقرار سياسي، والأمن لا يستقيم مع فوضى السلاح.. ولهذا لم يعد الحديث عن الميليشيات شأنًا داخليًا يخص دولة بعينها، لأن السلاح المنفلت لا يهدد الدولة وحدها، وإنما بات يهدد استقرار الإقليم بأكمله.
ومهما حاولت هذه الدول، وادعت فتح الصفحات الجديدة تلو الصفحات، فإنها لن تنهض إلا على مسلمة محورها الدولة القوية: لا سلاح إلا سلاح الدولة، ولا قرار إلا قرارها؛ فكل التجارب أثبتت أن السلاح الموازي لا يبني وطنًا، وإنما يعبث بالاستقرار، ويجر الجميع إلى أزماته، لأنه لا يستطيع العيش إلا في مستنقع الفوضى، فتدفع الشعوب الثمن، وتزداد عزلتها، وتتبدد فرص تنميتها، وتبقى رهينة أزمات لا تنتهي، وشعارات فارغة تخفي إدمانها لرائحة البارود والسلطة.
وما يزيد المشهد تعقيدًا أن بعض الدول مازالت تتباهى بعلاقاتها مع بعض التنظيمات المسلحة، فيما تتعامل أطراف دولية مع هذه العلاقات بقدر من التساهل، بحجة الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة.. غير أن التجارب أثبتت أن الرهان على الميليشيات لتحقيق الاستقرار لم ينتج إلا مزيدًا من الفوضى، وأطال عمر الأزمات التي تعانيها المنطقة.
ولذلك، لم يعد كافيًا أن تتعامل دول المنطقة والمجتمع الدولي مع هذه التنظيمات بوصفها مشكلات داخلية تخص هذا البلد أو ذاك، وإنما بوصفها تهديدًا يتجاوز الحدود، ويستدعي تعاونًا سياسيًا وأمنيًا يسند الحكومات الضعيفة، ويعزز مؤسساتها الشرعية، ويحاصر الميليشيات الموازية، حتى تستعيد الدولة الوطنية حقها في فرض القانون، واحتكار السلاح.

