في مقالي السابق «من تحليل المباريات إلى توقعات الحروب»، تناولت التأثيرات النفسية لمتابعة القنوات الإخبارية، والأخبار التي تنتشر دون رقيب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع تصاعد الأزمات والحروب في المنطقة، وكيف تحولت بعض المنصات إلى سباق محموم لتضخيم الأحداث، بهدف كسب مزيد من المشاهدات والتفاعل. واليوم استكمل هذا الموضوع الهام، لأن القضية لم تعد إعلامية فقط، بل أصبحت قضية صحة نفسية تمس المجتمع بأكمله.
ففي زمن الأزمات، لا يكفي أن نطالب الناس بمتابعة الأخبار، بل يجب أن نعلمهم كيف يتابعونها، ومن أين يستقون معلوماتهم، وكيف يميزون بين الخبر الصحيح، والتحليل، والإشاعة، والمعلومة المضللة، فالكثير من ابناء المجتمع والمقيمين معنا، مهما بلغت درجة تعليمهم أو خبرتهم، قد يقعون ضحية خبر مزيف، أو تحليل يفتقر إلى الدقة، خصوصًا عندما تتسارع الأحداث وتتداخل المعلومات.
ومن الملفت للانتباه مع الأحداث التي نعيشها، انني والكثيرين ومع دخول شهر أغسطس، تعود بنا الذاكرة لذكرى الغزو العراقي للكويت عام 1990، فنحن كجيل كامل ما زال يتذكر تلك الأيام، ورغم أننا لم نكن نعيش عصر وسائل التواصل الاجتماعي كما هو اليوم، فإن الإشاعات كانت تنتشر بيننا بسرعة كبيرة عبر المجالس، والاتصالات الهاتفية، وبعض وسائل الإعلام الخارجية، حيث كانت الحرب النفسية جزء من المعركة، وأن الإشاعة كانت سلاحًا يستهدف معنوياتنا.
ورغم تغير الوسائل الإعلامية بوقتنا الحاضر إلا أن التأثير النفسي أصبح أخطر وأسرع، فالخبر يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ثواني، وقد يكون مقطعًا قديمًا، أو صورة من دولة أخرى، أو تحليلًا شخصيًا يقدم على أنه حقيقة، ثم يبدأ الناس في إعادة نشره دون تحقق، فتتسع دائرة القلق والخوف بصورة قد تفوق الحدث نفسه.
وللتأكيد على خطر الاخبار الغير موثوقة ان منظمة الصحة العالمية اشارت الى ان 22 % من الأشخاص الذين يعيشون في مناطق فيها اخبار كثيرة وإشاعات عن الحروب، يعانون اضطرابات نفسية، مثل القلق أو الاكتئاب، ولهذا بدأت دول ومنظمات دولية تتعامل مع مكافحة المعلومات المضللة باعتبارها جزءًا من حماية الصحة النفسية للمجتمع، وليس مجرد عمل إعلامي.!
فقبل شهرين تقريباً، أطلقت وزارة الإعلام اللبنانية، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، حملة وطنية بهدف توعية المجتمع بخطورة إعادة نشر الأخبار غير الموثقة، وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات قبل تداولها.
ولدينا ولله الحمد في السعودية، اهتمام بهذا الجانب وان لم يتحول لحملات منظمة، حيث نجد ان الجهات الرسمية خلال الأزمات الماضية، حققت نجاحًا ملحوظًا في سرعة إصدار البيانات، والتصدي للشائعات، وتعزيز موثوقية المعلومة، إلا أن التطور المتسارع في وسائل الاتصال، والكم الهائل من المعلومات التي يتعرض لها الأفراد يوميًا، يستدعي الانتقال إلى مرحلة جديدة، لا تقتصر على مواجهة الشائعة بعد انتشارها، بل تركز على بناء وعي مجتمعي يحد من تأثيرها قبل أن تبدأ. لذلك اقترح أن نبدأ بتبني (استراتيجية إعلامية وطنية طويلة المدى)، تشارك فيها الجهات الإعلامية، والصحية، والتعليمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، بهدف تعزيز الثقافة الإعلامية، وتنمية مهارات التحقق من الأخبار، ورفع الوعي بكيفية التعامل النفسي مع الأزمات، بحيث تصبح هذه المعارف جزءًا من ثقافة المجتمع، وليست مجرد رد فعل عند وقوع الأحداث.
لان التجارب اثبتت أن إدارة الأزمات لا تبدأ فقط بالميدان، بل تبدأ أيضًا بإدارة المعلومة، لحماية المجتمع من القلق والمعلومات السلبية.
لذلك نجد أن الاستثمار في الوعي الإعلامي والصحة النفسية لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية، فالمجتمعات لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي أيضًا وعي مواطنيها، لأن المواطن القادر على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، هو خط الدفاع الأول في مواجهة كل أزمة.

