منذ ثلاثة وتسعين عاماً، لم تكن "النهار" مجرد صحيفة تواكب الأحداث، بل مؤسّسةاختارت أن تجعل من البحث عن الحقيقة رسالتها الأولى. تغيّرت الأزمنة، وتعاقبت الأجيال، وتبدّلت وسائل الإعلام من الورق إلى الشاشة، ومن المواقع الإلكترونية إلى المنصّات الرقمية، لكن جوهر الصحافة بقي ثابتاً: أن تمنح الناس معرفة موثوقة تساعدهم على فهم العالم، لا مجرد متابعة أخباره.اليوم نقف أمام تحوّل تاريخي جديد، فالذكاء الاصطناعي لا يغيّر فقط طريقة إنتاج المحتوى، بل يغيّر علاقة الإنسان بالمعلومة، ويطرح أسئلة عميقة حول الحقيقة والثقة والمعرفة.في عالم يستطيع فيه أيّ شخص أن يصنع صورة مزيّفة أو صوتاً "مقنعاً" أو خبراً يبدو حقيقياً خلال ثوانٍ، تصبح مسؤولية المؤسسات الصحافية أكبر من أي وقت مضى.لم تختر "االنهار" أن تخاف من التكنولوجيا. اخترنا أن نتعامل معها بوصفها أداة في خدمة الصحافة، لا بديلاً منها. فالصحافي لا تُعرّفه قدرته على كتابة الكلمات فقط، بل قدرته على الشك، والتحقق، وربط الوقائع، وفهم السياقات، واتخاذ القرار الأخلاقي. من هذا الإيمان، أطلقنا مشاريعنا الجديدة التي تترجم فلسفة غرفة الأخبار المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.أطلقنا أول نشرة أخبار تقدمها المذيعة الرقمية "نور"، و"نهار" أول مراسل رقمي يستعدّ للتفاعل مع المتابعين."نور" ليست مجرد مذيعة رقمية، بل تجربة تؤكد أن الابتكار يمكن أن يعزز العمل الصحافي، و"نهار" هو مراسل رقمي يساعد غرفة الأخبار، فيما يبقى القرار النهائي بيد الإنسان.في مناسبة عيد "النهار" الـ93، نعلن ميثاق المؤسسة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. إنه تعهد بأن يبقى الإنسان في قلب كل قرار تحريري، وأن تبقى الدقة قبل السرعة والشفافية قبل الإبهار، والحقيقة قبل أي خوارزمية.لم نكتب ميثاق "النهار" للذكاء الاصطناعي لأن التكنولوجيا تحتاج إلى قواعد، بل لأن الحقيقة تحتاج إلى حرّاس. فالذكاء الاصطناعي يسهم في الانتاج، لكنه لا يتحمّل المسؤولية. أما الصحافة، فكانت وستبقى مسؤولية قبل أن تكون إنتاجاً للمحتوى.لقد انتقل العالم من عصر كانت فيه المعلومة نادرة إلى عصر أصبحت فيه وفيرة إلى حدّ الإغراق، لكن ما ازداد ندرة اليوم هو الثقة. وفي زمن يستطيع فيه أي شخص أن يصنع واقعاً موازياً خلال دقائق، تصبح قيمة المؤسسة الإعلامية في قدرتها على التحقق، والتدقيق، والاختيار، لا في قدرتها على النشر أولاً.إن ميثاقنا ليس وثيقة لتنظيم عمل الآلة، بل عهدٌ ينظم علاقتنا نحن بها. إنه تذكير بأن التكنولوجيا، مهما تطورت، ستبقى أداة، وأن الإنسان سيبقى صاحب القرار الأخير. "النهار"... 93 عاماً اقرأ النص كاملاً في الموازاة، نمضي في توسيع حضورنا العربي، لأننا نؤمن بأن القضايا الكبرى التي تشغل منطقتنا تحتاج إلى صحافة عربية حديثة، مستقلة، وقادرة على مخاطبة جمهور واسع بلغته، وبأدوات عصره، ومن دون أن تتنازل عن معاييرها. وفي هذا السياق، نعلن عن استمرار خطط توسيع شبكة مراسلينا في المنطقة، واستقطاب كتّاب الرأي وقادته من مختلف المجالات. ونمضي في مشاريع أعدادنا الخاصة التي تفكر خارج الصندوق، لتحاكي صحافة الأثر والرأي العام. أما عملنا للتواصل مع الأجيال كافة فيترسّخ من خلال تخصيص الاستثمار لمشروع صانعي المحتوى الشباب، وفي تعزيز قدرة المنصّات الرقمية على رواية القصّة، وفي إطلاق منصّة "البودكاست" الخاصة بمجموعة "النهار". لا ننسى الأطفال واليافعين، هكذا انطلق مشروع "فهيم" ليجسّد قناعتنا بأن المستقبل ليس في نقل الخبر فقط، بل في شرحه وتفسيره وصناعة المعنى حوله منذ الصغر والنشأة.بعد ثلاثة وتسعين عاماً، لا نحتفل بالماضي بقدر ما نجدّد وعدنا للمستقبل. سنواصلالابتكار، والاستثمار في الإنسان لأن التكنولوجيا تتغيّرباستمرار أما الثقة فتُبنىبصعوبة، وتحفظ بالمسؤولية.وستبقى "النهار" مؤمنة بأن رسالتها ليست أن تواكب المستقبل فحسب، بل أن تساعد مجتمعها على فهمه وصناعته.علّمنا غسان تويني أن الصحافة ليست مهنة لنقل الوقائع فحسب، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع، وأن الكلمة لا تُقاس بما تثيره من ضجيج، بل بما تتركه من أثر في الوعي. وعلّمنا جبران تويني أن الحقيقة قد تكون مكلفة، لكنّها تستحق دائماً أن تُقال، وأن حرية الصحافة ليست امتيازاً للمؤسسات، بل حقٌّ للمجتمعات.وبين هذين الإرثين، نكتب اليوم فصلاً جديداً من مسيرة "النهار": نحمل القيم نفسها إلى زمن مختلف، ونستخدم أدوات جديدة، لكننا لا نساوم على المبادئ التي جعلت من "النهار" أكثر من صحيفة، بل مدرسة في الحرية والاستقلالية.
"النهار"... 93 عاماً
مواضيع ذات صلة

