في الوقت الذي كان انشغال بالنا كمواطنين لبنانيين كما انشغال بال الرئيس جوزيف عون بأحوال الوطن الصغير المستصغَر للذين غوايتهم التدخل في مفاصل منه لخدمة تطلعاتهم ومشروعهم التمددي، وما ستؤول إليه زياراته واتصالاته التي شملت دولاً صديقة علَّه يعود منها بما يخفف الأثقال الناشئة عن العدوان على جنوب الوطن وبقاعه وضاحية عاصمته... في الوقت هذا كنت كأب ومعه الأبناء والبنات والأحفاد نتطلع إلى أندي بيرنهام رئيس الوزراء البريطاني الجديد بأمل أن يُخفف بحُسْن إدارته للأحوال في هذه البلاد الذي أحمل جنسيتها أيضاً - نظراً لظروف اقتضت ذلك - الأعباءَ على المواطنين في الخدمات الحيوية.
ما أعنيه هو أن الأقدار شاءت أن تدفع بي كما عشرات الألوف مِن اللبنانيين الرافضين حرباً أهلية ذات طابع ميليشياوي بتسمية «مقاومة» إلى حط الرحال مصحوباً بأفراد العائلة وبجواز السفر الذي نجا مِن غارات «المقاومين اللبنانيين» في لندن، التي كانت آنذاك تترأس حكومتها للمرة الأولى سيدة اسمها مارغريت ثاتشر. وفي ظل حكومتها تمت لاحقاً الإجراءات التي تجيز قانونياً أنه بات لي رئاسة ثانية ووطن ثانٍ، وذلك بأن وزارة الداخلية المسماة «هوم أوفيس» أبلغتْني الوثيقة التي بموجبها بدءاً من يوم 1 سبتمبر (أيلول) 1985 بات البعلبكي المولود في بلدة «العين» وأطفاله الثلاثة وزوجته الفلسطينية المولودة في يافا مواطنين بريطانيين في ظل الملكة إليزابيث الثانية.
ومنذ ذلك بتنا نمارس الواجب الانتخابي. تصل إلى سكناي رسائل مِن مرشحين مِن الحزبين تتضمن برنامج هذا المرشح لعضوية «مجلس العموم» عن «حزب المحافظين» وبرنامج ذاك المرشح عن «حزب العمال» وتضمين الرسالة تمنيات باختياره.
وكما سائر الجيران وشخصيات في العمل العام في الدولة ونخبة مِن المثقفين والمحامين كان يحدُث أحياناً بعض النقاش الذي يثري أهمية تأدية الواجب الانتخابي ونوعية برنامج هذا المرشح أو ذاك، مع التوضيح بأن الوفاء مِن جانبي يوجب أن يكون تأدية الواجب الانتخابي لـ«حزب المحافظين» الذي قادتْه السيدة الحديدية على نحو المثل الشعبي الذي يعكس قدرة المرأة على تأدية الواجب السياسي أو المشاركة في الدفاع عن الوطن. وهنا يسجَّل ﻠمارغريت ثاتشر أنها عبَّدت طريق ترؤس الحكومة أمام النساء، إلاَّ أن الزمن الثاتشري يبقى ماثلاً في مسيرة العمل السياسي البريطاني، كما الحال مع مثيلتها المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل التي قادت ألمانيا ستة عشر عاماً في مرحلة حفلت بالتحديات الدولية.
عِشنا لحظات الشعور المؤلم عندما غادرت السيدة الحديدية المقر الرئاسي الذي فقدتْه يوم عام 1990 وقد دمعت عيناها، مع أنها سجلت الرقم القياسي في الترؤس وهو أحد عشر عاماً، لكنها السُلطة التي ما أن يملكها مالك حتى يفترض أنها باقية له.
ما يأمله كاتب هذا الكلام ومِن منطلق الإعجاب بالمعادلة الحزبية في بريطانيا تتمثل بحزبيْن رئيسييْن وتيارات رأي عام حريصة على استقرار صيغة الحُكم، لو أن يتم الأخذ في الوطن الأصل بهذه الصيغة، وبذلك يرتاح الشعب اللبناني مِن التباري الاستفزازي مِن جانب الأحزاب التي تتجاوز العشرين حزباً، مِن بينها أحزاب صُنعت خارج الوطن أو تم استيلادها على أرض الوطن لغايات في نفوس أمَّارة بجعْل الوطن حلبة وليس كياناً.
وسيبقى الأمل معقوداً على أن يقتبس الرئيس اللبناني الكثير من المهمة التي كما ثوابت اللعبة السياسية تؤدَّى بجدارة مِن جانب قادة تعاقبوا على سدة الحُكم في بريطانيا على مدى قرن، بدءاً ﺒستانلي بلدوين، وصولاً إلى رئيس الوزراء الحالي أندي بيرنهام رئيس الوزراء الجديد الذي أعتز بأن جواز سفري اللبناني يتجاور في مكتبي مع الجواز البريطاني، الذي كلما وُجب استعماله أترحم على الزمن الثاتشري وسيدته مارغريت.

