لم يعد السؤال: إلى أي مدى تستطيع إيران التأثير في العراق؟ بل: هل ينتقل العراق من دولة تتعرض للنفوذ الإيراني إلى دولة تؤدي وظيفة داخل استراتيجيته الإقليمية؟ وبين السؤالين يكمن الفارق بين النفوذ والسيادة، وبين دولة توازن علاقاتها، ودولة تصبح جغرافيتها جزءًا من حروب الآخرين..
قد يكون السؤال الأكثر أهمية الذي تطرحه المواجهة الإقليمية الراهنة على بغداد ليس ما إذا كان العراق سينحاز إلى إيران أو الولايات المتحدة، بل ما إذا كان سيظل قادراً على تحديد موقعه من الصراع بنفسه. فالمسألة تتجاوز خيارات السياسة الخارجية إلى سؤال يتعلق بجوهر الدولة: من يحتكر القوة، ومن يملك استخدام أراضيها، ومن يتخذ قرار الحرب والسلام؟
هذه هي المعضلة التي تواجه حكومة علي فالح الزيدي في مرحلة مبكرة من عمرها. فقد سعت خلال أسابيعها الأولى إلى بناء سردية «استعادة الدولة»، عبر مكافحة الفساد، وإصلاح المؤسسات، وتحسين البيئة الاستثمارية، ومعالجة السلاح خارج السلطة الرسمية. وكان الرهان الانتقال بالعراق من إدارة التوازن بين مراكز القوى إلى دولة قادرة على فرض قواعدها.
لكن التصعيد الإقليمي وضع هذا المشروع أمام اختبار مبكر. فالمشكلة التي كشفتها المواجهة ليست مجرد وجود جماعات مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وإنما الوظيفة الاستراتيجية التي يمكن أن تؤديها ضمن شبكة النفوذ الإيراني.
على مدى عقود، بنت طهران جزءاً من استراتيجيتها الأمنية على توزيع القوة خارج حدودها. لم يكن الهدف مجرد بناء حلفاء، بل إنشاء شبكة من الأدوات العسكرية والسياسية والجغرافية تمنح إيران القدرة على الردع والضغط والمساومة بعيداً عن أراضيها. مثّل لبنان النموذج الأكثر نضجاً، وشكلت سوريا عمقاً جغرافياً، وأصبح اليمن أداة ضغط على الخليج والبحر الأحمر، فيما احتل العراق موقعاً أكثر تعقيداً بسبب حجمه وثرواته وموقعه ومؤسساته.
ومع تراجع قدرة بعض ساحات النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا وغزة، ترتفع القيمة الاستراتيجية للعراق. فجغرافيته تمنح طهران ما يصعب تعويضه: حدوداً طويلة، وقرباً من الخليج والأردن، ووجوداً أميركياً، فضلاً عن شبكات سياسية وعسكرية واقتصادية تشكلت خلال عقدين.
ومن هنا ينشأ خطر انتقال العراق من دولة واقعة تحت النفوذ الإيراني إلى ما يمكن تسميته «الدولة الوظيفية» في الاستراتيجية الإيرانية: دولة تحتفظ باستقلالها القانوني وحكومتها وبرلمانها وجيشها، لكن جزءاً من جغرافيتها وقدراتها يؤدي وظيفة تتجاوز مصالحها الوطنية، ويدخل ضمن منظومة أمنية تقودها قوة أخرى.
وهذا التحول أخطر من النفوذ السياسي التقليدي. فالنفوذ يعني التأثير في قرارات بغداد، أما «الدولة الوظيفية» فتعني إعادة تعريف موقع العراق داخل ميزان القوى: عمقاً استراتيجياً، ومنصة للردع والضغط، وساحة يمكن عبرها توزيع تكلفة المواجهة بعيداً عن الأراضي الإيرانية.
وهنا تظهر المفارقة في العلاقة بين البلدين. فمن حق إيران مطالبة بغداد بمنع استخدام الأراضي العراقية لتهديد أمنها. لكن هذه القاعدة لا يمكن أن تعمل في اتجاه واحد. فإذا كان العراق مطالباً بمنع استخدام أراضيه ضد إيران، فمن حقه منع أي جماعة مرتبطة بطهران من استخدام جغرافيته لضرب السعودية أو الأردن أو القوات الأميركية. فالسيادة ليست موقفاً انتقائياً، بل قاعدة متبادلة.
ولهذا فإن أي عمليات عسكرية تنطلق من العراق خارج قرار الدولة تكشف فجوة بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية. فقد تمتلك الدولة حدوداً وجيشاً وتمثيلاً دبلوماسياً، لكنها تصبح محدودة السيادة عندما تفقد احتكار استخدام القوة.
والتجربة اللبنانية تقدم درساً مهماً هنا. فالمشكلة لم تكن اختفاء الدولة، وإنما نشوء ازدواجية بين مؤسسات رسمية ومركز قوة موازٍ يمتلك قدرة مستقلة على التأثير في قرارات استراتيجية. والخطر ليس أن يصبح العراق نسخة حرفية من لبنان، بل أن يستورد منطقه السياسي: دولة قائمة دستورياً، لكنها لا تستطيع منفردة تحديد شروط الحرب والسلام.
بالنسبة إلى إيران، يوفر هذا النموذج مزايا استراتيجية: توسيع مجال الردع، وتشتيت الخصوم، ورفع تكلفة استهدافها مباشرة. أما العراق فيتحمل مخاطر الرد العسكري، واضطراب الاقتصاد، وهروب الاستثمار، والإضرار بعلاقاته العربية، من دون أن يكون الطرف الذي اختار أهداف المواجهة أو توقيتها. وهذه مفارقة حروب الوكالة: الدولة التي توفر الجغرافيا قد تدفع ثمناً أكبر من الدولة التي تدير الصراع.
من هنا تكتسب الأصوات العراقية الرافضة لتحويل البلاد إلى ساحة حرب أهمية خاصة، وخصوصاً عندما يصدر هذا الرفض من داخل البيئة الشيعية؛ إذ يصبح حصر السلاح قضية سيادة وطنية، لا موقفاً معادياً لإيران أو منحازاً إلى واشنطن.
ولن تستطيع حكومة الزيدي معالجة المعضلة أمنياً فقط. فالنفوذ المتراكم أصبح شبكة سياسية واقتصادية ومؤسساتية، واستعادة احتكار الدولة للقوة تتطلب توافقاً يجعل السيادة مصلحة عراقية مشتركة.
ولا يعني استقلال القرار العراقي العداء مع إيران. فالجغرافيا والتاريخ والاقتصاد تجعل العلاقة معها ضرورة استراتيجية. لكن ثمة فارقاً بين علاقة وثيقة مع جار مهم وبين الاندماج في منظومته الأمنية.
العراق القوي ليس مضطراً إلى أن يكون خصماً لإيران، لكنه ليس مضطراً أيضاً إلى أن يصبح إحدى أدواتها.
لذلك، لم يعد السؤال هو: إلى أي مدى تستطيع إيران التأثير في العراق؟ بل: هل ينتقل العراق من دولة تتعرض للنفوذ الإيراني إلى دولة تؤدي وظيفة داخل استراتيجيته الإقليمية؟
بين السؤالين يكمن الفارق بين النفوذ والسيادة، وبين دولة توازن علاقاتها، ودولة تصبح جغرافيتها جزءًا من حروب الآخرين.

