: آخر تحديث

رسالة من أبي نُواس

2
2
2

علي الخزيم

= (يا رب إنْ عظمتْ ذنوبي كثرةَ

فلقد علمتُ بأنّ عفوك أعظمُ

أدعوك ربي كما أمرتَ تضرعًا

فإذا رددتَ يدي فمنْ ذا يرحمُ

إنْ كان لا يرجوك إلا محسنٌ

فبمن يلوذ ويستجير المجرمُ

مالي إليك وسيلةٌ إلا الرجا

وجميل عفوك ثمّ أني مسلمُ).

قالها الشاعر العربي الأحوازي (الحسَنُ بن هانئ) المُكنّى بأبي نُوَاس؛ وكان بمقتبل عمره يُمعِن بمسارب الغزل وما ماثله من مجالات لم تكن محببة بالعصر الإسلامي؛ وإن سبقه إليها غيره من الأقدمين كالأعشى فإنهم لم يُفحشُوا برمزية معانيها ودلالاتها؛ ويُعلّل بعض النقاد هذه الميول المغايرة عند أبي نواس بما صاحب مراهقته وشبابه من تبدلات بأنماط البيئة الاجتماعية المحيطة به؛ وميل الناس آنذاك للتجديد والنزوع للتحضر؛ مع ما كان من تأثير مصاحبته لبعض شعراء اللهو؛ ما جعله يقع بالمحذور إلى أن وفقه الله للهداية.

= ومن الصور الآنية للتمادي بالمجاهرة بالفسق؛ وتَقَمّص خِفّة الظِّل بدعوى الانحلال من قيود الشرع والآداب العامة والعُرف الاجتماعي: ما ينتهجه مُمثِّل عربي يتعمَّد إضحاك جمهور المشاهدين (بالمسرح والتلفاز) بعبارات ومواقف توحي بأنه يتمرد على ثوابت الدين؛ ويجعل من الشّعائر مَمَرًا لنكاته وسفاهته؛ وكأني بكتَّاب الحوار للأعمال المسرحية والمتلفزة التي يشارك بها قد عرفوا توجهه في صناعة النُّكات والضحك لجمهور من المراهقين والغافلين؛ فصاغوها على مقاس تفكيره وضحالة عقله ومَن يضحك له.

= وأرى أن مَن يتمادى بِغيّه مع ما يَسمَعه ويشاهده من رسائل وتنبيهات تنبع من واقع الحياة ولم يرتدع فيُخشَى عليه من عواقب إلهيَّة وخِيمة؛ ألم يتفكروا بقول الله تعالى بسورة المدثر (42-46) على لسان المُجرمين وهم بنار جَهنَّم:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}.

= وفيما آلَت إليه حال الشاعر العربي المُبدع؛ ومع ما كان مِن سالف أمره؛ فإن في خشيته من الله وتأدبه معه سبحانه؛ وعودته إلى السراط المستقيم في مبادئه وأخلاقه َلدَرس جدير بالتأمُّل والتّفكّر؛ ومن المؤكد أن أناسًا قبله وبعده قد وقعوا بمُدَد من حياتهم بما وقع به من مَيل عن الطريق القويم؛ ثم وفقهم المولى للهُدى والاستقامة، لأن قواعد الخير وبذوره لم تُنتَزع من قلوبهم؛ ولأنهم لم يقنطوا من رحمة الرحمن الرحيم، والقرآن الكريم والسنة المطهرة تحثنا على التدبر والتبصُّر؛ وإعْمَال العقل ليقودنا مع توفيق العلي القدير إلى الحق والصواب؛ وألَّا نترك مجالًا لِمَا اقترفناه بالماضي ليتحكم بأفئدتنا ويُعِيقنا عن الوصول للقناعات التي تُزكّي النفوس وتنقّي الحواس والجوارح من تَبِعاتِه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد